" إن رحلة الحصول على الحرية مليئة بالتضحيات والدموع والجوع والثياب المليئة بالقمل، والدماء، والموت."
― ديدان كيماثي
"لا تبنى الأمور من القمة."
― مثل أفريقي
أهمية الحزب
في التراث الماركسي، يُعد الحزب الطليعي أداة لا غنى عنها في النضال من أجل التحرر. في عالم مبني على الإمبريالية، تكون الديمقراطية مقيدة بشدة، خاصة في المحيط العالمي. وهي تخدم بشكل أساسي مصالح القوى الإمبريالية والنخب الوطنية الذين يعملون نيابة عنها. ولا تحدد هذه العلاقات الاجتماعية حياة مليارات البشر فحسب بل تحافظ ايضًا على قبضة محكمة على مجالات السياسة والثقافة والتعليم والإعلام. في معظم الحالات، تقدم الانتخابات خيارًا بين أحزاب سياسية جميعها ملتزمة بالحفاظ على الرأسمالية، كلٌّ على طريقته. في هذا السياق، يُجبر العمال والمزارعون وفقراء الحضر على التوافق مع الآفاق السياسية التي وضعها مضطهديهم، والتي لا تتحدى جوهريًا العلاقات الاجتماعية التي فرضتها الرأسمالية والإمبريالية. لذلك يحتاج المضطهدون وسيلة سياسية تمثلهم كطبقة.
وهذا هو دور الحزب الثوري، الذي يسعى إلى تطوير وتحسين وتمثيل تطلعات الناس المضطهدين والعاملين على طريق الاشتراكية.
لماذا نحتاج إلى حزب ثوري؟ في كتاب "بيان الحزب الشيوعي"، كتب كل من كارل ماركس وفريدريك انجلز أن الرأسمالية "تخلق حفاري قبورها".1 يإن تركيز رأس المال في أيدي طبقة واحدة يخلق أيضًا طبقة عاملة، وهي الطبقة التي تُنتج كل الثروة في المجتمع. وقد أظهر ماركس وإنجلز أنه يمكن لهذه الطبقة الاستيلاء على وسائل الإنتاج وتوجيه الأرباح نحو تحسين حياة البشر ولكن هذه العملية لا تنشأ تلقائيًا. فالعاملون يختبرون استغلالهم في البداية على المستوى الفردي وليس الجماعي، كما أن أيديولوجية الطبقة الحاكمة تتغلغل في المجتمع، مما يصعّب التنظيم الجماعي. ويعمل الحزب الثوري كوسيلة لتجاوز هذه القيود، من خلال تركيز خبرة الطبقة العاملة، وتطوير النظرية الثورية ومشاركتها، وتقديم التوجيه الاستراتيجي للنضال الطبقي.
قدمت ثورة أكتوبر عام 1917 تجربة حية. أظهر فلاديمير لينين أن الطبقة العاملة، المحصورة في نشاطات النقابات العمالية، والتي انحصرت مطالبها تقريبًا في مسائل الرواتب وساعات العمل، ، لم تطور وحدها مطالب أوسع للتمثيل السياسي. فلم تكن الطبقة العاملة واعية بقدرتها على حكم دولة بأكملها. وتطلب الأمر حزبًا من الثوريين المحترفين لتقديم الوعي الاشتراكي إلى الحركة العمالية، ولمساعدتها على التنظيم وإدراك مهمتها في الاستيلاء على سلطة الدولة. بهذه الطريقة، يصبح الحزب الثوري تعبيرًا مركزًا لخبرة الطبقة العاملة، وهو المؤسسة التي تحول الطبقة العاملة من " طبقة في ذاتها" (فئة اقتصادية موضوعية) إلى "طبقة من أجل ذاتها" ( ممثل سياسي واعي وعنصر في التاريخ). لا يمكن تحقيق هذه المهمة من خلال منظمة غير حكومية، أو نادي للمناظرة، أو وسيلة انتخابية فارغة. فهي تتطلب حزبا راسخا في التجربة التاريخية، متجذرًا بين الناس ومدعوما بالنظرية.
في يومنا الحالي، وفي معظم المحيط العالمي، تضم صفوف المضطهدين أيضا مجموعة كبيرة من سكان الريف وعددًا متزايدًا من الأشخاص من خارج القوى العاملة. كما نشهد، عبر العالم، هجرة تاريخية لعمال الريف إلى المدن بسبب عوامل مثل الاستيلاء على الأراضي وتغير المناخ. حيث تجبر هذه الجماعات على العيش في الأحياء العشوائية الحضرية المتضخمة، حيث يعملون في عمل غير رسمي أو هش،أو لا يملكون أي فرص للعمل على الإطلاق. في القارة الإفريقية، يواجه ما يقارب 40 بالمئة من السكان اليوم مثل هذه الظروف — وهي فئات يشكّل التغيير السياسي الثوري ضرورة وجودية لها.2 هنا، يصبح دور حزب الطليعة في توحيد المضطهدين وتحويل مقاومتهم، التي تتسم غالبًا بالتلقائية، إلى فعل ثوري واعٍ أمرًا ضروريا.
يعد الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK) جهدًا معاصرًا لبناء منظمة من هذا القبيل — حزب طليعة يتكوّن من العمال، وفقراء الحضر، والفلاحين الكينيين، ويهدف إلى لعب دور قيادي في النضال المستمر ضد الرأسمالية، والاستعمار الجديد، والإمبريالية. ولا تكشف تجارب الحزب الأهمية المتواصلة للفكر الماركسي الثوري فحسب، بل تُظهرر أيضًا الطرق التي تُطبَّق بها الماركسية في الظروف الخاصة لكينيا المعاصرة.
من الاستعمار إلى الاستعمار الجديد: مسار كينيا تحت الهيمنة الإمبريالية
انبثق الحزب الشيوعي الماركسي الكيني ضمن سياق الصراع الطويل ضد الهيمنة الاستعمارية والتدخّل الإمبريالي — العلني، ولاحقًا السري — الذي استهدف تقويض السيادة الوطنية. فقد رسّخ الاستعمار البريطاني، في أواخر القرن التاسع عشر، سيطرته عبر الاستيلاء على أفضل الأراضي والموارد الطبيعية لصالح المستعمرين البيض والقوة الاستعمارية. ومن خلال أدوات قانونية مثل مرسوم أراضي التاج لعام 1902، أعلنت الإمبراطورية البريطانية أنّ جميع الأراضي "غير المحتلة" هي ملك للتاج البريطاني، مما أدى فعليًا إلى تجريم أشكال حيازة الأراضي الإفريقية وتجريد الملايين من أراضي أجدادهم. وقد خُصصت الأراضي الأكثر خصوبة، وهي أراضي "المرتفعات البيضاء" سيئة الصيت، حصريًالمستوطنين الأوروبيين، بينما تم اقتياد الأغلبية الإفريقية إلى محميات للسكان الأصليين أو جرى تحويلهم إلى مجردين من أملاكهم على نفس أراضيهم . ولإجبار الأفارقة على العمالة المأجورة في مزارع المستوطنين والصناعات الناشئة، فرضت الإدارة الاستعمارية ضرائب الأكواخ والرؤوس وفرضت حظر التجول للتحكم في حركة السكان، وسعت إلى سحق المقاومة عبر العقوبات البدنية والإعدامات.
انبثقت المقاومة ضد الحكم الاستعماري مبكرًا، مصحوبة بأشكال مختلفة من الانتفاضات العفوية التي اندلعت إلى جانب حركات منظمة نحو الحرية الوطنية. كانت جمعية كيكويو المركزية الذي أسس عام 1924، والاتحاد الأفريقي الكيني الذي أسس عام 1944، مساعي أولية لبناء منظمة سياسية ضد الحكم الاستعماري. ردت الإدارة الاستعمارية على هذه المحاولات بالمزيد من القمع، ومنع المنظمات السياسية الأفريقية، واعتقال قادتها.
وصل صراع الحرية الوطنية ذروته مع انتفاضة ماو ماو فيخمسينيات القرن العشرين، وهي حركة ثورية قادها الفلاحون حيث حملو السلاح ضد الاستعمار البريطاني. نظمت الانتفاضة التي قادها جيش الحرية والأرض الكيني تحت شعار الأرض والحرية! ( Gĩthaka na Wĩtĩkio!)، والذي عكس واقع حياة ملايين الكينيين الذين واجهوا الحرمان من أراضيهم واستغلال الاقتصاد والإقصاء السياسي. هزت الانتفاضة النظام الاستعماري حتى جذوره. كان الرد البريطاني وحشيًا. تم اقتياد أكثر من 1٫5 مليون شخصا — بالأساس من المجتمع الكيكويي — إلى معسكرات اعتقال. تعرّض الآلاف للتعذيب أو الإعدام أو للعمل الشاق في ظروف غير إنسانية. هجرت مجتمعات بأكملها، وأصبح العقاب الجماعي روتينًا. ما تم تقديمه على أنه مكافحة تمرد كان حملة ترهيب مصممة لسحق المقاومة وإعادة فرض السيطرة الاستعمارية. تعترف الأرقام الرسمية بمقتل حوالي 11,000 مقاتلًا من الماو ماو، على الرغم من أن الرقم الحقيقي للكينيين الذين قتلوا بفعل الاعتداء البريطاني كان أعلى بكثير.
وبينما تصاعد الصراع المسلح، حولت بريطانيا استراتيجيتها من القمع المباشر إلى هندسة نقل للسلطة التي ستحفظ مصالحها الاقتصادية تحت غطاء التحرر الشكلّي. أدى ذلك إلى "الاستقلال المزيف" لعام 1963، وهي لحظة لم تفكك الدولة الاستعمارية، بل غيرت التي مارست من خلالها حكمها. وسلمت بريطانيا خلال مؤتمرات قصر لانكستر هاوس، حيث تم استبعاد الجناح الراديكالي من صراع التحرّر الوطني، زمام السلطة إلى كبرجوازية كومبرادورية مخلصة — وهي طبقة، ستبقي، من خلال ثرائها الخاص، على منطق الاستعمار الاقتصادي دون مظاهره السياسية الرسمية. وقد قبلت هذه الطبقة الجديدة رفيعة المستوى تدبيرًا نيواستعماريا المصالح التجارية البريطانية وملكية الأراضي والنفوذ العسكري. وكانت النتيجة ولادة دولة نيواستعمارية — مثّلت ستارًا أسودًا للتحكم المستمر للبيض. وكما يفيد بيان الحزب الشيوعي الماركسي الكيني:
"وبعيدًا عن الإصلاحات القليلة والمحدودة، أبقت الحكومات التي استولت على الحكم بعد الاستعمار على النظام الذي يعيد تدوير المشاكل التي شعبنا. أولئك الناس الذين سًلبت أراضيهم قسريًا لا يزالون بلا أرض… ولا تزال ظروف العمل الشبيهة بالعبودية متواجدة في المزارع المملوكة محليًا أو خارجيًا، والتي تدفع أجورًا زهيدة لعمال يفتقرون للتنظيم."
رسّخت فترة ما بعد الاستقلال، تحت حكم جومو كينياتا، النظام النيواستعماري في كينيا. تم اغتيال راديكاليين أمثال بيو جاما بينتو — وهو ماركسي ملتزم بالتحرر القاري الإفريقي، بينما تم حظر اتحاد الشعب الكيني اليساري (KPU) الذي كان يدعو إلى تحولات أوسع نطاقًا عام 1969. في السنوات التي عقبت ذلك، استُهدف الكتّاب والمفكرون الذين دعموا كفاح المزارعين والعمال، وأبرزهم نغوغي وا ثيونغو، الذي تم اعتقاله دون محاكمة عام 1977 بعد تقديم مسرحية راديكالية بلغة الجيكويو مع فرقة مسرحية مجتمعية.
عندما تولّى دانيل أرابموا رئاسة كينيا عام 1978، وقعت كينيا تحت ديكتاتورية الحزب الواحد و التي اتصفت بالعدوانية الشديدة والتعذيب الواسع الانتشار، بما في ذلك نيايو هاوس سيئ السمعة، وفرض برامج التكيّف الهيكلي من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي دت إلى خصخصة أصول الدولة، الأمر الذي أدى إلى زيادةعدم المساواة وتقويض الخدمات الاجتماعية الضعيفة بالفعل التي كانت موجودة في البلاد.
أثبت إعادة إقرار سياسات التعددية الحزبية في تسعينات القرن الماضي أنها وهم. فقد أعيد تشكيل النخب بنجاح على هيئة سلسلة من الفصائل المتنافسة داخل الطبقة الكومبرادورية نفسها. فمن حزب كانو (KANU) وحركة نارك (NARC) إلى جوبيلي (Jubilee) وكينيا كوانزا (Kenya Kwanza)، استخدمت هذه النخب أحزابًا سياسية أُنشئت حديثًا للتنافس على السيطرة على جهاز الدولة — وغالبًا ما تم ذلك عبر التعبئة المتعمّدة للهويات الإثنية، التي هدفت إلى طمس الانقسامات المادية وترسيخ سلطة النخب. وحتى دستور عام 2010 الذي جرى الاحتفاء به، ورغم ما يتضمنه من إصلاحات تقدمية، يظل في جوهره ذا توجّه رأسمالي. وكما يقول الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK): "الحقيقة هي أنه لا يمكن تحقيق القيم الوطنية التي يصفها الدستور في ظل الرأسمالية؛ بل فقط في ظل الاشتراكية".
السيادة الوطنية والنضال ذو المرحلتين
لكسر حلقة الهيمنة النيوليبرالية الجديدة، رسم الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK) مسارًا ثوريًا قائما على تطبيق النظرية الماركسية-اللينينية على الشروط الخاصة بكينيا. وترفض هذه الاستراتيجية طريق الإصلاح. فالدولة النيواستعمارية، التي صِيغت للحفاظ على تبعية كينيا للإمبريالية، لا يمكن إصلاحها؛ بل يجب الإطاحة بها وإعادة تشكيلها لتخدم العمال والفلاحين، والكتلة المتنامية بسرعة من الناس الذين يعيشون ويعملون في القطاع غير الرسمي داخل المدن. ويتمثل القلب النظري لهذه الاستراتيجية في نظرية الثورة ذات المرحلتين،، التي تقول أنه يجب على النضال في مجتمع شبه إقطاعي ونيواستعماري مثل كينيا، أن يسير من خلال مرحلتين متمايزتين ولكنهما مرتبطتان جدليًا.
المرحلة الأولى والعاجلة هي الثورة الوطنية الديمقراطية (NDR). وهي مرحلة ثورية ديمقراطية يتمثل هدفها الأساسي في التدمير الكامل للاستعمار الجديد وأركانه المحلية. وتشمل مهامها تحطيم طبقة مُلّاك الأراضي لإعادة "الأرض لمن يفلحها"؛ وإنهاء الهيمنة الإمبريالية عبر طرد القوات العسكرية الأجنبية والتحرر من السيطرة المالية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ وإلغاء جهاز الدولة النيواستعمارية واستبداله بأجهزة سلطة الشعب. ويجادل الحزب بأن تجاوز هذه المرحلة يتجاهل الحقائق المادية في كينيا: مسألة الأرض غير المحلولة، والكتلة الفلاحية الواسعة بوصفها قوة ثورية، والسلطة المتجذّرة لطبقة كومبرادورية تخدم رأس المال الأجنبي.
وتُعدّ معركة استعادة السيادة الوطنية محورًا أساسيًا في الثورة الوطنية الديمقراطية. فالحزب الشيوعي الماركسي الكيني لا يعرّف السيادة بوصفها مصطلحًا قانونيًا أو علمًا في الأمم المتحدة، بل باعتبارها القدرة المادية للشعب على التحكم في أرضه، وعمله، وموارده، ومصيره. لقد خانت الطبقة الكومبرادورية سيادة كينيا عند الاستقلال، ولا تزال تُباع اليوم عبر الديون، واتفاقيات التجارة غير المتكافئة، والأحلاف العسكرية. ومن ثمّ، فإن استعادة السيادة تمثل شرطًا استراتيجيًا مسبقًا للشروع في طريق البناء الاشتراكي. فمن دون السيطرة على الاقتصاد والموارد والدولة، ستُقوَّض أي محاولة لبناء الاشتراكية بفعل القوى الأجنبية.
أما المرحلة الثانية من النضال الثوري فهي الثورة الاشتراكية. وتشمل هذه المرحلة وضع وسائل الإنتاج في ملكية اجتماعية، وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا للدفاع عن الثورة في مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين. كما تهدف إلى التحول الشامل للمجتمع من أجل القضاء على الفقر، وعدم المساواة، وجميع أشكال الاضطهاد.
ينعكس هذا الإطار ذو المرحلتين في البرنامج السياسي للحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK). فـ"البرنامج الأقصى" للحزب يجسّد الأهداف النهائية للاشتراكية والشيوعية. أما "البرنامج الأدنى" فيتكوّن من المهام الثورية الديمقراطية للثورة الوطنية الديمقراطية (NDR) — وهي ليست مطالب إصلاحية أو اجتماعية ديمقراطية، بل تعبّر عن تطلعات واضحة وضرورية للتقدّم عبر المرحلتين في المسار الثوري. ويُعدّ هذا التمييز عنصرًا محوريًا في نظرية الحزب للتغيير، كما يعكس طبيعة علاقته بالسلطة الانتخابية. فرغم أن الحزب قد يشارك تكتيكيًا في الانتخابات، فإن هدفه الاستراتيجي ليس الفوز بالمناصب داخل الدولة النيواستعمارية، بل توظيف العملية الانتخابية لبناء القوة المنظّمة للجماهير.
التكوّن والتصحيح: صوغ الحزب الطليعي
لم ينشأ الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK) من فراغ. بل تَشكّل انطلاقًا مما يسمى "الامتداد التاريخي الطويل للشيوعية الكينية"، وهو تقليد ثوري متجذّر في مقاومة الاستعمار، أُجبر على العمل السري لعقود طويلة. ويعود هذا الإرث إلى الجناح الراديكالي، ما قبل الثوري، من حركة ماو ماو، الذي أثار رعب رأس المال الاستيطاني والمركز الإمبريالي على حدّ سواء، بمطالبه المتعلقة بإعادة توزيع الأرض ومناهضة الإمبريالية. وقد انتقلت هذه الشرارة عبر شخصيات مثل بيلداد كاغيا، القومي الراديكالي؛ وبيو غاما بينتو، الشهيد الماركسي؛ وأوغينغا أودينغا، الذي قاد اتحاد شعب كينيا (KPU) ذي التوجه اليساري. وبعد اغتيال بينتو وحظر حزب KPU، جرى قمع النشاط التنظيمي اليساري بوحشية، ولم ينجُ إلا في تشكيلات سرّية مثل "حركة الثاني عشر من ديسمبر" وحلقات الدراسة الاشتراكية، التي تحدّت ديكتاتورية موي بتكلفة باهظة.
ظهر الحزب بصيغته الحالية من رحم "الحزب الاجتماعي الديمقراطي الكيني (SDP)، الذي تأسس عقب إعادة إقرار التعددية الحزبية في تسعينيات القرن الماضي. ولسنوات، كان تبنّي توصيف "الاجتماعية الديمقراطية" تنازلًا براغماتيًا فرضته بيئة سياسية مشبعة بالعداء للشيوعية. غير أنّ النواة اليسارية داخل الحزب خلصت، بحلول عام 2019، إلى أن الظروف باتت مهيّأة لقطيعة حاسمة مع الإصلاحية. وفي مؤتمره الوطني الثالث، جرى تحويل الحزب رسميًا إلى "الحزب الشيوعي الكيني (CPK)، في خطوة مثّلت انفصالًا نهائيًا عن قيود السياسة والأفكار الاجتماعية الديمقراطية.
وجاء ردّ فعل الدولة سريعًا؛ إذ رفض مسجّل الأحزاب السياسية تسجيل الاسم الجديد، بحجة أن كينيا "لا يمكنها السماح بأحزاب اشتراكية/شيوعية". غير أن الحزب واجه ذلك عبر النضال القانوني والتعبئة الجماهيرية، وحقق انتصارًا قضائيًا مفصليًا في أبريل/نيسان 2019، ثبّت حقه في الوجود، وأرسى سابقة للتعددية الأيديولوجية في كينيا. أما التغيير اللاحق للاسم إلى "الحزب الشيوعي الماركسي الكيني" (CPMK)، فقد مثّل مزيدًا من الترسّخ الأيديولوجي، تأكيدًا على الارتكاز إلى الماركسية-اللينينية وتطبيقها على الشروط الكينية، واستجابةً في الوقت نفسه لأزمة داخلية في صفوف الحزب.
وخلال انتخابات عام 2022، خان اثنان من كبار مسؤولي الحزب، موانداويرو مغنغا وبنديكت واتشيرا — اللذان يُشار إليهما في الوثائق الداخلية باسم "ثنائي الانحراف" — الموقف الرسمي للحزب القائم على عدم الانحياز، وأعلنا من جانب واحد دعمهما لتحالف «كينيا كوانزا» البرجوازي. وقد رفضت غالبية الحزب هذا الفعل بوصفه "تعاونًا طبقيًا"، وشرعت في عملية واسعة من النقد الذاتي والتصحيح، بهدف ترسيخ الانضباط والانسجام التنظيمي. وكشفت هذه الأزمة عن نقاط الضعف التنظيمية التي ورثها الحزب من مرحلة سابقة، حين توسّعت عضويته الجماهيرية أثناء نضاله ضد حظر تسجيله، وأُقيم — بحسب توصيفه — على "أساس مُخترق"، مع قيادة أخذت تضم عناصر ذات نزعة برجوازية متزايدة. وأسهم الانقسام الذي وقع عام 2022، إلى جانب تغيير اسم الحزب، في إعادة تركيز الحزب الشيوعي الماركسي في كينيا حول كتلة طليعية منضبطة، اختُبر صلابتها في تناقضات الصراع الطبقي الداخلي.
أدوات الثورة: التنظيم، والانضباط، وخطّ الجماهير
بوصفه حزبًا طليعيًا، يضطلع الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK) بخمس مهام رئيسية. أولًا، يعمل على بناء وعي الكوادر عبر التعليم الماركسي-اللينيني، بحيث يصبح كل عضو في الحزب مفكّرًا ومنظّمًا ومحرضًا. ثانيًا، ينظّم، من خلال إنشاء خلايا في المصانع والمدارس والمزارع والجامعات، وفي التجمعات السكنية غير الرسمية ومجتمعات الشتات. ثالثًا، يحرّض الجماهير، حاملًا الخط السياسي إلى كل ساحة نضال — من قضايا السكن والجوع إلى اضطهاد النوع الاجتماعي وانعدام الأرض. رابعًا، يوحّد القوى، من خلال بناء جبهة مشتركة للقوى التقدمية، دون تمييع القيادة الطبقية للطبقة العاملة داخل الحركة.
خامسًا، يستعدّ للأزمات الأعمق، ووللارتفاع المحتمل في مستويات القمع، ولحالات التمرّد الثوري المستقبلية.
وعليه، فإن قوة الحزب الطليعي لا تُقاس فقط بأيديولوجيته وخطّه السياسي، بل أيضًا بتنظيمه الثوري، الذي يجب أن يكون قادرًا على مأسسة وتنظيم القوة الجماعية للعمال وفقراء المدن، والفلاحين — أي تحويل النظرية إلى قوة مادية. وتمثل المركزية الديمقراطية المبدأ التنظيمي الجوهري للحزب، وهي تقليد أساسي في تاريخ الأحزاب الثورية. وترتكز هذه المركزية على أربعة أعمدة وهم الديمقراطية في النقاش، بما يتيح حوارًا داخليًا كاملًا؛ والمركزية في التنفيذ، التي تفرض التزام جميع الأعضاء بالقرار بعد اتخاذه؛ وخضوع الأقلية للأغلبية؛ وخضوع الهيئات الحزبية الأدنى للهيئات الأعلى. ويهدف هذا البناء إلى تحقيق ديمقراطية داخلية حقيقية، تستثمر المعرفة والحكمة الجماعية للحزب، مع ضمان وحدة العمل، بما يمنع شلل الحزب بفعل التكتلات والانقسامات الفئوية.
أما الجسر الذي يربط الحزب بالجماهير فيُعرف بـ خطّ الجماهير، وهو أسلوب قيادي مستمد من العمليات التي بلورها ماو تسي تونغ خلال الثورة الصينية. وتعكس فكرة ومنهج خط الجماهير عملية جدلية مستمرة تقوم على دراسة الآراء المتفرقة وغير المنهجية لدى الجماهير، وصياغتها في خط سياسي واضح، ثم العودة بها إلى الجماهير في صورة خط قادر على توحيدها وقيادتها في نضال سياسي منظّم. وتُعدّ عملية بلورة خط الجماهير سمة مركزية في الديمقراطية الاشتراكية، إذ تضمن تجذّر قيادة الحزب في الواقع الملموس للمضطهَدين، وتمنع تَحوّل الكوادر الحزبية إلى بيروقراطية معزولة، وتكفل توجيه أفعال الحركة الثورية ونظرياتها ببوصلة احتياجات الشعب.
طوّر الحزب الشيوعي الماركسي الكيني، من أجل مأسسة عمله، أذرعًا تنظيمية متخصصة. وتضطلع المدرسة الأيديولوجية لبيو غاما بينتو (PGPIS) بدور "فرن التربية الماركسية" و"المقرّ النظري للثورة". وهي مسؤولة عن تدريب الكوادر على الماركسية-اللينينية، وإنتاج مواد تعليمية ثنائية اللغة بالإنجليزية والسواحيلية، وتوفير الوضوح النظري للحركة. كما أنشأ الحزب منظمات جماهيرية لقيادة النضالات على جبهات محددة، من بينها رابطة النساء الثوريات (RWL) ورابطة الشباب الثوري (RYL). وتعمل هذه الروابط بقدر من الاستقلالية تحت التوجيه السياسي للحزب، مُكلَّفة بتعبئة قواعدها الاجتماعية الخاصة وتكوين أجيال جديدة من القادة.
ويتمثل الهدف النهائي لهذا البناء التنظيمي بأكمله في تكوين الكوادر. إذ يسعى الحزب إلى صوغ ما يسميه "المحاربين-العلماء" — مناضلين ملتزمين، راسخين نظريًا، متجذرين في الجماهير، ومصلّبين بالانضباط الثوري. ويتحقق ذلك عبر الجمع بين الدراسة النظرية في مدرسة بيو غاما بينتو والتطبيق العملي في خضم الصراع الطبقي، في عملية تهدف إلى الارتقاء بالوعي من العفوي إلى المنظّم. وتمثل هذه المأسسة انتقالًا نوعيًا من شبكة غير رسمية من النشطاء إلى تنظيم ناضج يمتلك البنى الضرورية لخوض نضال طويل الأمد وضمان استمراره وتطويره.
الجبهة الواسعة للنضال: توحيد المضطهَدين
لا تستطيع الطبقة العاملة، بمفردها، إحراز تقدم في النضال من أجل الثورة الوطنية الديمقراطية (NDR). فهي بحاجة إلى تحالف استراتيجي أوسع يضم قوى تقدمية من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية القادرة على العمل المشترك ضد أعداء الدولة الرئيسيين: الإمبريالية، والطبقة الكومبرادورية، ومُلّاك الأراضي. وفي التقليد الماوي، يطلق الحزب الشيوعي الماركسي في كينيا (CPMK) على هذا التحالف اسم الجبهة المتحدة. ويقع في صلب هذا الائتلاف «التحالف الأساسي» بين الطبقة العاملة، وفقراء المدن، والفلاحين — وهم أكثر الطبقات استغلالًا في كينيا، وتشكل قوتهم الموحّدة العمود الفقري للثورة. ويكمن دور الحزب في توفير القيادة الأيديولوجية والسياسية لهذه الجبهة، بما يضمن عدم انزلاقها إلى كتلة شعبوية قابلة للتلاعب من قبل مصالح الطبقة الحاكمة.
وانطلاقًا من تحليله للبنية الطبقية في كينيا، يدمج الحزب قضايا اجتماعية إضافية في نضاله، معتبرًا إياها تعبيرات جوهرية عن الصراع الطبقي في السياق الاستعماري الجديد للبلاد. ففي ما يتعلق بقضية النوع الاجتماعي، على سبيل المثال، يقطع الحزب مع الأطر النسوية الليبرالية التي تقودها المنظمات غير الحكومية، ويطرح بدلًا منها مفهوم "النسوية البروليتارية". إذ تواجه النساء العاملات والفلاحات في كينيا "اضطهادًا ثلاثيًا": كمنتميات لطبقة مستغَلّة، وكنساء ترزخن تحت النظام الأبوي، وكرعايا أمة خاضعة للاستعمار الجديد. وتُكلَّف رابطة النساء الثوريات (RWL) بقيادة هذا النضال، بما يشمل الدفاع عن حقوق الأرض والأجور المتساوية، ووضع حدٍّ للعنف ضد النساء، وربط هذه القضايا بالنضال الثوري ضد الإمبريالية ومن أجل الاشتراكية.
وفي ما يخص حقوق مجتمع الميم (LGBTQ+)، يناضل الحزب ضد أشكال الاضطهاد التي يتعرض لها رفاقه من هذا المجتمع، ويعتبرها نتاجًا لقوانين الحقبة الاستعمارية، والأصولية الدينية، والتقاليد الأبوية التي ما تزال تثقل كاهل الثقافة والمجتمع في كينيا. ويرفض الحزب سياسات الكراهية والإقصاء، لكنه في الوقت نفسه يتخذ موقفًا نقديًا من "سياسات الهوية" الليبرالية التي تُفتّت وحدة الطبقة، ومن "رأسمالية قوس قزح" التي تروّج لها منظمات غير حكومية إمبريالية، والتي تُحوّل الهوية إلى سلعة بينما تُبقي أنظمة الاستغلال على حالها. وبعبارة أخرى، يسعى الحزب إلى دمج النضال من أجل التحرر الجنسي والجندري ضمن إطار ماركسي-لينيني، متجنبًا فخّي الرفض الدوغمائي من جهة، والاستيعاب الليبرالي من جهة أخرى.
أما في ما يتعلق بالأزمة البيئية، فيراها الحزب مكوّنًا لا ينفصل عن "حرب طبقية" أشمل، ونتاجًا مباشرًا لتراكم رأس المال الإمبريالي. فالإمبريالية مسؤولة عن أكثر من 80% من الانبعاثات التاريخية لثاني أكسيد الكربون، ومع ذلك، فإن من يتحمل العبء الأكبر من آثارها هم الفلاحون الأفارقة لا مُلّاك الأراضي الأوروبيون؛ وصيادو لامو وبحيرة فيكتوريا لا مدراء وول ستريت؛ وفقراء المدن في ماثاري وكيبيرا لا مليارديرات دافوس. ويرفض الحزب "تخضير" الرأسمالية والحلول الزائفة، مثل أسواق الكربون، التي يصفها بـ"الإمبريالية الخضراء" — أي شكل جديد من أشكال السيطرة الاستعمارية. ويدعو بدلًا من ذلك إلى "بيئة شعبية"، بوصفها نضالًا متجذّرًا في خط الجماهير، يربط العدالة البيئية بالثورة الزراعية، والسيادة الغذائية، ومناهضة الإمبريالية، ويطالب بتعويضات بيئية من القوى الإمبريالية.
وأخيرًا، يلتزم الحزب التزامًا راسخًا بالأممية وبالوحدوية الإفريقية الثورية. وهو يرفض الوحدوية الإفريقية الشكلية، الخالية من المضمون، التي تقودها نخب كومبرادورية داخل مؤسسات مثل الاتحاد الإفريقي، ويدعو بدلًا منها إلى وحدة قارية قائمة على النضال من أجل الاشتراكية وضد الإمبريالية. وتُعدّ التيارات التقدمية داخل الشتات الكيني فصيلًا استراتيجيًا من فصائل الثورة، تُكلَّف بالتثقيف السياسي، والتنظيم، وبناء التضامن. ويُنسَّق هذا العمل الأممي عبر دائرة دولية متخصصة ضمن اللجنة التنظيمية المركزية (IDCOC)، تعمل على نسج علاقات مع حركات ثورية حول العالم، من فلسطين والفلبين إلى كوبا وفنزويلا
نحو النصر
لقد تميّز تاريخ النضال الثوري الإفريقي بخيانات وهزائم قاسية. فالقادة الذين سعوا إلى تطوير استراتيجيات للسيادة الوطنية — من بيو غاما بينتو إلى توماس سانكارا، ومن باتريس لومومبا إلى معمر القذافي — أُطيح بهم واغتيلوا على يد القوى الغربية المتواطئة مع النخب الكومبرادورية الوطنية. وقد ارتكزت كل واحدة من هذه النضالات على منظمات جماهيرية سعت إلى توحيد الشعب في نضال مشترك من أجل التحرر والاشتراكية. وعلى امتداد القارة، واجه هذا النضال انتكاسة مع ترسّخ المذاهب النيوليبرالية، إذ أعادت المنظمات غير الحكومية تجريد الناس من قدراتهم على النضال، محوّلةً قضايا التحرر إلى مطالب إصلاحية.
لكن النضال يجب أن يستمر. إذ لا تزال إفريقيا القارة الأكثر استغلالًا على كوكب الأرض. فمواردها تُنهب، وعمالتها يُنتقص من قيمتها إلى حدّ تدميرها المنهجي. أراضيها تُسرق، والديون المفروضة على دولها تُقوّض قدرتها على الحكم. وتحتل قوات عسكرية أجنبية دولها، بوصفها ضامنة لمصالح الإمبريالية. كما تمارس المنظمات غير الحكومية والوسائل الإعلامية والمشاريع الأكاديمية الممولة من الغرب نفوذًا كبيرًا في دول القارة. ونتيجة لذلك، تُقطع حياة الشعوب الإفريقية بشكل مأساوي، وهي أزمة يهدد تغيّر المناخ والدمار البيئي بتعميمها.
ومن ثم، فإن الحزب الشيوعي الماركسي الكيني (CPMK) موجود ضمن تقليد تاريخي طويل، يعترف بأن التحوّل الثوري في كينيا — وفي دول أخرى أيضًا — شرطًا مسبقًا للبقاء ونتيجة ضرورية للتناقضات العميقة بين المضطهَدين والمستغلين. يتحرك الحزب وفق مجرى التاريخ، مستفيدًا من النجاحات والإخفاقات الماضية، ليؤسس الحزب في كل مكان عمل، وكل قرية ريفية، وكل تجمع حضري، مستوى تنظيم الجماهير ووعيها بما يمكّنها من تحقيق نصرها النهائي.
