في نيسان/أبريل، أقرّ الاحتلال الإسرائيلي قانون إعدامٍ يستهدف الفلسطينيين دون سواهم. واحتفل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالتصويت على القانون داخل قاعة الكنيست بزجاجة شمبانيا.
غير أنّ هذه الممارسة ليست جديدة. ففي عام 1937، أنشأ الانتداب البريطاني محاكم عسكرية لإصدار أحكام إعدام سريعة بحقّ الفلسطينيين المُدانين ولو بجرائم بسيطة. والحقيقية أنّ الموت كان أداةً مركزيّة من أدوات الاحتلال منذ نشأة الدولة الإسرائيلية نفسها عام 1948. كما هو الحال آنذاك، كذلك هو اليوم: العقوبة مصمَّمة لترهيب الفلسطينيين وجعل حياتهم — ومقاومتهم للاحتلال الاستعماري — أمراً لا يُحتمل.
في السابع عشر من أيار/مايو، عقدت الأممية التقدّمية ومنظّمة الشبيبة الفلسطينية ندوةً أدارتها لمى غوشة لتفحص واقع الاعتقال، وعقوبة الإعدام، وبنية القمع المتمدّدة في المستوطنة الاستعمارية الصهيونية. وجمعت الندوة أسرى محرّرين ومحامين وباحثين لبحث الأبعاد السياسية والقانونية والإنسانية لقانون الإعدام المقترح بحقّ الفلسطينيين، وللبنى الأوسع للعنف الاستعماري.
في ما يلي نصّ مداخلة كميل أبو حنيش، الأسير المحرّر والروائي الفلسطيني الذي أمضى ثلاثة وعشرين عاماً في سجون الاحتلال. يرى أبو حنيش، استناداً إلى تجربته الطويلة في الأسر، أنّ قانون الإعدام المقترح ليس تطوّراً جديداً، بل هو امتدادٌ لمنظومة استعمارية متجذّرة تاريخياً في الإلغاء والقمع والهيمنة النفسية. يمكن مشاهدة الندوة كاملةً من هنا.
—
أميل دائماً إلى معالجة الموضوع من ناحية فكرية وأيديولوجية — أي من طبيعة المشروع الصهيوني. طبيعة المشروع الصهيوني هي، كما قلت، استعمارية استيطانية إحلالية. وهو بطبيعته عدوانٌ يقوم على نفي الآخر. وعندما نقول نفي الآخر، فهذا يعني الإعدام: إعدامُ شعبٍ كاملٍ، إعدامُ الآخر. وقد رأينا مقدّمات هذا وتجلّياته في الواقع عام ثمانيةٍ وأربعين. واستمرّت هذه النكبة الفلسطينية، ورأينا صوراً مختلفة للإعدام، سواء كان مقنّناً أو بالممارسة، لأنّ الاحتلال مارس الإعدام في الميدان وفي السجون بشتى الصور. وفي كلّ يومٍ نشهد إعداماتٍ بحقّ الفلسطينيين.
لكن، مرّة أخرى، أنا لا أرى ما هو جديد في قانون الإعدام، لأنّ بنية إسرائيل القانونية والأيديولوجية والسياسية تقوم على الإعدام. سأركّز على ما حلّ بالأسرى الفلسطينيين في العامين الأخيرين، حيث كنتُ شاهد عيانٍ على هذه الممارسة. قبلها بسنوات، وقبل الحرب بعشرين عاماً تقريباً، كانت ظروفنا أفضل بكثير ممّا حلّ بنا بعد السابع من أكتوبر. بعد السابع من أكتوبر، كنّا نشهد موتاً بطيئاً. بصراحة، لستُ مبالغاً حين أقول إنّنا كنّا نموت في اليوم عدّة مرّات. كنّا ننتظر الخلاص طوال سنتين حتى تحرّرنا، وكنّا نتمنّى فعلاً أن نَخلُص من هذا.
هم يريدون منّا أن نستبطن الألم. لا يريدون لنا الفرح حتى ونحن ننتظر الحرّية. قبل تحرّرنا بساعات، مورست بحقّنا كلّ أشكال التنكيل: الضرب، والإهانات، ومحاولة كسر الإرادة. طوال السنتين كانت تُمارس بحقّنا كلّ أشكال التنكيل، من التجويع إلى نشر الأمراض إلى الإهمال الطبّي إلى سياسة البرد والضرب بكلّ أشكاله.
قانون الإعدام يأتي تجلّياً لهذه السياسة الطويلة المُمارَسة بحقّ شعبنا منذ النكبة على الأقلّ. منذ عام ثمانيةٍ وأربعين تُمارَس كلّ أشكال الإعدام والإبادة والتنكيل والقمع بحقّ الشعب الفلسطيني. وليس فقط التنكيل الجسدي: المسألة ليست فقط إزاحة الجسد الفلسطيني، وإنّما محاولة طمس الوعي، ومحاولة كسر الإرادة، ومحاولة استدخال الهزيمة إلى أعماق الفلسطيني ليُسلّم بالتنازل عن حقوقه التاريخية والوطنية.
لا أرى جديداً في موضوع الإعدام. ولا أرى أنّه من الممكن أن يَردع شعباً يبحث عن الحرّية. في سنوات الثلاثينيات، كان الثوّار الفلسطينيون يتعرّضون للإعدام دون أن يأبهوا بمثل هذه القوانين. وكانت تُمارس بحقّ الشعب الفلسطيني الإعدامات الميدانية على شاكلة الاغتيالات، ولم يأبه. ورأينا ظاهرة الاستشهاديين الذين كانوا يفجّرون أنفسهم ويقتحمون مواقع العدوّ دون أن يأبهوا بالموت. إذاً، هذه القوانين لن تَردع شعبنا.
إنّما يأتي هذا القانون من زاويةٍ انتقاميةٍ فقط. يريد العدوّ أن ينتقم، لا من الأسرى الفلسطينيين وحدهم، بل يريد أن يعذّب شعباً بأكمله. حين يُصدرون قانوناً كهذا بكلّ هذه السادية المرضيّة، حين يحتفل هذا الولد الذي لا أرغب في تسميته، بن غفير، بطريقةٍ صبيانيّةٍ حقيرة بحفل عيد ميلاده، وحين يرتدي شعار المشنقة، وحين يصدر فيديو يحلم فيه بالمشانق والموت — فإنّ هذا كلّه يعبّر عن صورةٍ مرضيّةٍ لهذا المحتلّ. بن غفير ليس استثناءً. كلّ المجتمع الصهيوني مريضٌ بشكلٍ أو بآخر. هؤلاء الذين يحتفلون بموت الشعب الفلسطيني ولا يرون فينا بشراً أصلاً.
ندعو إلى تعميق الدراسات لفهم ظاهرة السجن الإسرائيلي، لأنّ السجن الإسرائيلي يتميّز عن سائر السجون. نحن في عصر العلوم والتكنولوجيا وثمّة وسائل حداثية جديدة. في السابق كانوا يسيطرون على الجسد، يحاولون امتهانه، وتطويعه، وإذلاله، بحيث إنّ من يقضي سنواتٍ طويلةً في السجن يتحوّل من شابٍّ إلى عجوز. أمّا الآن، فهم يستدخلون في أعماق الأسير الحرمان والقهر والألم. حين يتطلّع هذا الأسير إلى كلّ زاوية، يجد كاميرا. هو مراقَبٌ ومُنتَهَك.
قبل السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل تريد أن تظهر بمظهرٍ ليبرالي أمام العالم، وتحديداً أمام الغرب، فكانت تمتنع عن سنّ مثل هذا القانون لأسبابٍ إعلامية وسياسية وقانونية. ولكن بعد السابع من أكتوبر، رأينا أنّ هذا الكيان فقد صوابه، ولم يعد يعبأ بالانتقادات الدولية حتى لو سمّى العالم ما جرى في غزّة إبادةً وإجراماً. لأنّ هذه هي طبيعة الكيانات الاستعمارية. أعطني كياناً استعمارياً واحداً لم يستخدم العنف. لنتفحّص كلّ هذه المنظومات في الولايات المتّحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا وفي الدول الأفريقية. لقد مورست الإبادة بأفظع أشكالها.
ولا بدّ أيضاً من التركيز على أنّ ما يجري في السجون الإسرائيلية شبيهٌ جدّاً بما كان يجري في السجون النازية. علينا أن نعمّق دراساتنا لنُجري مقارنةً بين أوشفيتس، مثلاً، والسجون الإسرائيلية. حرفيّاً أقول لكم إنّ التجربة النازية مُستنسَخة هنا. الآن يُجرون تجارب على الأسرى الفلسطينيين. لعلّكم سمعتم أنّ مصلحة السجون كانت تقدّم برنامج طعامٍ يومي لم يتغيّر منذ أكثر من عامين، وتسوّق لرأيها العامّ بأنّ هذا البرنامج جيّدٌ للريجيم مثلاً. غداً سيُجرون دراساتٍ سيكولوجية واجتماعية وطبّية، ويقدّمونها للعالم بوصفها تجارب مستحدثة. وهذا قريبٌ جدّاً من التجارب الطبّية.
ما أودّ قوله هو أنّ قانون الإعدام ليس مدفوعاً من زاوية أمنية. الشباب ومؤسّسات الدولة لم تكن تحبّذ إقرار مثل هذا القانون، لأنّه لن يغيّر شيئاً من ناحية أمنية. أمّا من سعى ويسعى إلى سنّ هذا القانون فيفعل ذلك لأسباب استعراضية. اليمين يحاول أن يبدو في صورة القوّة والانتقام. والأسرى الفلسطينيون يشكّلون نموذجاً أمام شعبهم وأمام العالم، ومطلوبٌ كسر هذا النموذج، وإذلاله، واحتقاره. حين كانوا يضربون مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وعبّاس السيّد — هذه الرموز الوطنية — ويصوّرون ذلك بالكاميرات، كانوا يريدون كسر هذه النماذج أمام شعبهم. يريدون أن يُروا قطعانهم الذين يتهيّجون بسعادةٍ حين يَرَون كيف يُذَلّ الأسير.
لا أريد أن أعطي هؤلاء القادة العنصريين أكبر من حجمهم باستعراض عباراتهم — كلّهم مرضى. ولكن أقول إنّ فكرة الموت والإعدام كامنةٌ في الفكر الصهيوني. رأينا ما جرى في قطاع غزّة — مشهدٌ أرعب العالم وشكّل صدمةً كبرى. كيف كانت إسرائيل تُبيد الناس، وتقصف الأبراج السكنية والبيوت على رؤوس أصحابها. هذا العدوان لم يكن موجوداً سابقاً بهذا الشكل، وإن كانت هنالك بعض الصور والمشاهد، إلّا أنّها كانت مخفّفة.
قانون الإعدام هذا امتدادٌ للسياسة ذاتها. لا أرى ما هو جديد فيه. علينا أن نركّز على طبيعة هذه الدولة التي جلبت الخراب للمنطقة. بالأمس القريب شنّوا حرباً عدوانيّةً على إيران. وها هم يشنّون حرباً على لبنان. وقبلها شنّوا حرباً على مصر وعلى سوريا وعلى العراق. المشروع الصهيوني لا يستهدف الفلسطيني وحده، بل يعادي كافّة شعوب المنطقة.
الجميع يتساءل: ما الذي يجعل الأسير يصمد ثلاثين وأربعين وخمسةً وأربعين عاماً في السجون؟ السرّ يكمن في أنّ لهذا الأسير قضيّة. حين كنّا نتسلّح بهذه القضية، كنّا نسأل بعضنا بعضاً: هل أنت نادم؟ كلّا. كانت الإجابة كلّا. لأنّ «أنا نادم» إهانةٌ للرجولة، وإهانةٌ للروح الثائرة المتمرّدة. القضية الوطنية الفلسطينية كانت تشحذ هممنا لنواصل بكلّ عزيمة. أمضينا سنواتٍ بذات المصادر، كنّا نثقّف ونربّي ونعلّم ونتعلّم، وكنّا نقدّم لأبناء شعبنا نموذجاً جيّداً، حتى وإن كانت هنالك صورٌ بشعةٌ حاول الاحتلال إظهارها من داخل السجون.
دعوني أوجّه نقداً أيضاً إلى تلك الآلاف المؤلَّفة من الأسرى الفلسطينيين المحرَّرين الذين لم يقوموا بالدور الكافي. علينا، نحن الأسرى، أن نكتب سرديّتنا. ثمّة مسؤوليّةٌ كبرى أمام هذا المناضل، هذا الأسير الفلسطيني، أن يكتب الرواية والشعر عمّا جرى لنا — على الأقلّ ما جرى بحقّنا منذ السابع من أكتوبر. علينا أن نكتب كلّ ما حلّ بنا. علينا أن نفضح كلّ ممارسات الاحتلال. ولا يجوز أن تبقى الرواية والسردية شفهيّةً فقط. علينا أن نكتب. لدينا مسؤوليّةٌ كبرى.
كما أوجّه نقداً إلى المؤسّسات القانونية والحقوقية التي لا تقوم بدورها كما يجب، وإنّما تكتفي بتقارير باردة. المحامون يفرّغون الزيارات بين الفينة والأخرى. ومع الاحترام والتقدير للجهود المبذولة من هذه المؤسّسات، إلّا أنّ ثمّة خلوّاً من البعد الإنساني فيها. ونشعر أنّها تمارس دورها بمهنيّةٍ باردة، إلى درجة أنّنا لم نكن نُحسّ بالمحامين الذين يزوروننا. كنتَ تشعر أنّك أمام روبوت، لا أمام إنسانٍ عادي.
المقاومة، قبل أن تكون حملاً للسلاح، هي وعي. والوعي يبدأ بكيف نفهم هذا العدوّ، لأنّ كثيرين ممّن حملوا السلاح فقدوا البوصلة لأنّهم لم يفهموا طبيعة هذا العدوّ. لا يكفي أن تحمل السلاح وتقاتل، لأنّك بدون وعيٍ تفقد البوصلة وتنحرف. ولدينا الكثير من الأمثلة. إذا فهمنا طبيعة هذا الكيان جيّداً، تعزّز لدينا وترسّخ إصرارُنا على المقاومة، وتحديداً المقاومة المسلّحة، لأنّ طبيعة هكذا كياناتٍ لا يمكن إزالتها إلّا بالسلاح وبالقوّة.
من يريد أن يُجري مقارنةً على شاكلة جنوب أفريقيا أو غيرها من النماذج، فإنّ هذا لا ينطبق على المشروع الصهيوني العنصري الاستبدادي اليهودي، في طبيعته العنصرية المقزّزة. ونحن بهذه المناسبة نقول إنّ علينا أن نعمّق فهمنا لطبيعة اليهودية والصهيونية بشكلٍ عامّ. لأنّه لا يكفي أن نقول إنّ المشروع الصهيوني استعماري فحسب. نحن الآن دخلنا في عصر الرواية الدينية، وهذا خطيرٌ جدّاً. الجنود في إسرائيل، في الجيش الإسرائيلي، تُوزَّع عليهم الآن كتيّبات من قِبَل الحاخامية العسكرية — سِفر يَشوع الإبادي — تشجّعهم على ارتكاب الإبادات وارتكاب القتل. علينا أن نفهم طبيعة هذا الكيان بكلّ مركّباته.
