لا تُعد أمازون واحدة من أكبر شركات التجارة الإلكترونية في العالم فحسب، بل هي أيضاً أحد أبرز الأمثلة على نظام عمل تُديره الخوارزميات. فنموذج عملها القائم على السرعة والكفاءة يُخضع عمل العمال في المستودعات ومراكز التوزيع لرقابة صارمة، بينما تستهدف في الوقت نفسه وبشكل منهجي النقابات، بوصفها القوة الأهم القادرة على تحدي هذا النظام. ويتناول هذا التحقيق الذي أعدته منصة ”باستا (Basta!) “! أساليب الضغط التي طورتها أمازون في مواجهة التنظيم النقابي، من خلال حالات من فرنسا وكندا. فمن الإجراءات التأديبية بحق الممثلين النقابيين والفصل من العمل، إلى قرارات الشركة التي قبلت ترك آلاف العمال دون عمل بدلاً من خلال توقيع اتفاقيات تفاوض جماعي، تُظهر هذه الأمثلة أن معاداة النقابات ليست ممارسات معزولة، بل عنصر محوري من عناصر نظام عمل أمازون. وفي وقت يشهد فيه قطاع الخدمات اللوجستية ورأسمالية المنصات توسعاً سريعاً، وتزداد فيه أهمية نضالات التنظيم النقابي بين عمال المستودعات والتوزيع، نتشارك هذا التحقيق مع قرائنا لأنه يسلط الضوء على سياسات أمازون المناهضة للتنظيم النقابي وتأثيرها على نظام العمل.
في الوقت الذي اختارت فيه أمازون الانسحاب من كيبيك بدلاً من توقيع اتفاقية تفاوض جماعي، يكشف نشطاء نقابيون يعملون في مستودعات عمالقة التجارة الإلكترونية في فرنسا عن العقوبات المفروضة عليهم وعن ثقافة الشركة التي تعرقل أنشطتهم.
”لسنا معروفين بالخضوع للرئيس، بل بأننا نجعله يشعر بعدم الارتياح. لن نسمح لهم بسحقنا. “ أرادوا التخلص منها، لكنهم فشلوا. تاتيانا كامبانيي، التي عادت الآن إلى عملها، لا تنوي الخضوع للترهيب. فهذه العاملة في قطاع الخدمات اللوجستية والناشطة النقابية في اتحاد سود-سوليداير (Sud-Solidaires)، التي فُصلت في أغسطس 2025 بدعوى ارتكاب مخالفة جسيمة) اتهمتها الإدارة بإرسال رسائل مسيئة بحق مديرة الموارد البشرية داخل مجموعة محادثة(، عادت في مارس الماضي إلى منصبها وإلى مهامها كممثلة نقابية على حد سواء.
وقد وافقت المفتشية العامة للعمل مبدئياً على قرار الفصل، إلا أن وزارة العمل ألغته في نهاية المطاف. ووفقاً لقرار الوزارة الذي اطلعت عليه) باستا(!، شددت الوزارة على أن مجموعة المحادثة المعنية كانت خاصة، وأكدت أن ذلك ''لا يمكن اعتباره إخلالاً بالتزامات الموظفين''. علاوة على ذلك، فإن المجموعة، التي كانت تحمل اسم ''Élus-ES/mandates 2023''، كانت مخصصة للتواصل بين النشطاء النقابيين أنفسهم ويُزعم أن بعض الزملاء سرّبوا محتواها إلى الإدارة.
''نتعرض للضغط منذ أن تسببنا في إغلاق مستودعات أمازون.''
ووفقاً لمعلومات حصلت عليها ''باستا! ''وأكدتها أمازون أيضاً، تستعد الشركة الآن للطعن في قرار وزارة العمل في محاولة للتوصل في نهاية المطاف إلى فصل تاتيانا كامبانيي. وتؤكد كامبانيي وزملاؤها النقابيون قناعتهم بأنهم يدفعون الآن ثمن النضال الذي نظموه عام 2020 خلال جائحة كوفيد-19، والذي أجبر الشركة على إغلاق مستودعاتها مؤقتاً. وفي لوان بلانك، بالقرب من دواي، حيث يقع أحد أهم مراكز التوزيع التابعة لأمازون، يقول جيروم غيلان، أمين اتحاد 'سود-سوليداير”:نتعرض للضغط منذ أن تسببنا في إغلاق المستودعات.” وهو أيضاً يواجه تهديداً بالفصل منذ السادس والعشرين من مارس الماضي.
في عام 2020، وفي خضم جائحة كوفيد، تحرك ممثلون نقابيون من اتحادات ''سوليداير'' (Solidaires) و"السي جي تي" (CGT) و''إف أو'' (FO) و''السي إف دي تي'' (CFDT) لإجبار أمازون على تطبيق إجراءات صحية لصالح موظفيها. وفي نهاية المطاف، وجّهت المحكمة إنذاراً رسمياً للشركة وأمرتها بتقليص عملياتها. وبدلاً من قبول الهزيمة وتعديل عملياتها وفقاً لذلك، قررت أمازون إغلاق جميع منشآت الفرز والتوزيع التابعة لها مؤقتاً. وفي لوان-بلانك، لعب فريق ''سوليداير''، بمن فيهم تاتيانا كامبانيي، دوراً فاعلاً في هذا النضال.
يقول جيروم غيلان: ''الانتقام طبق يُقدَّم بارداً. لقد لاحقوا فريقنا واحداً تلو الآخر. أولاً كانت تاتيانا، والآن جاء دوري.'' وفي فبراير 2026، نظّم غيلان واتحاد ''سود-سوليداير'' وقفة احتجاجية أمام مقر أمازون في كليشي دعماً لتاتيانا كامبانيي. وبعد عشرين يوماً، استُدعي هو نفسه لحضور اجتماع تمهيدي للفصل. وهذه المرة، اتهمته الإدارة بالإدلاء بتصريحات مسيئة بحق جيف بيزوس، رئيس أمازون. وقال الممثل النقابي إن'' هذه التصريحات قيلت بروح من الدعابة''، مضيفاً: ''لكن ما يقلق الإدارة فعلاً هو نشاطي النقابي ومساعيّ لإعادة تاتيانا إلى عملها.''
في فبراير 2026، تحرك نقابيون من مناطق مختلفة في فرنسا دعماً لتاتيانا كامبانيي وتنديداً بالعقوبات المتتالية المفروضة على الأعضاء النقابيين. لكن الضغط لا يستهدف أعضاء “سوليداير” وحدهم. ففي مارس 2025، وزع اتحاد ''السي جي تي'' أيضاً منشورات أمام مقر أمازون احتجاجاً على إلغاء العمل عن بعد لموظفي المكاتب. ولأول مرة، وجد مسؤولو الشركة أنفسهم يتسلمون منشوراً نقابياً بأيديهم. وشارك في توزيع المنشورات غيوم روبان، ممثل ''السي جي تي''في مستودع سيفري بمنطقة سون-إي-لوار، وعضو ''أوجيكت'' (Ugict)، الفرع النقابي الخاص بالمديرين والفنيين. ومنذ بداية عام 2025، كان يحاول تنبيه زملائه إلى الإجراءات المفروضة لإنهاء العمل عن بعد لموظفي المكاتب. وبعد ثلاثة أشهر من هذا التحرك، أي في يونيو 2025، استُدعي لحضور ''اجتماع تمهيدي بشأن عقوبة تأديبية محتملة''، وتم بعدها إيقافه عن العمل لمدة ثلاثة أيام.
ووفقاً للإخطار التأديبي الذي اطلعت عليه''باستا!''، اتُّهم باستغلال اجتماعات العمل وأدوات التواصل المهنية لأغراض التنظيم النقابي. ووصلت هذه الاتهامات إلى الإدارة عبر تقارير من موظفين حضروا تلك الاجتماعات. ويقول الممثل النقابي من جانبه: ''أقوم بعملي النقابي لتوعية زملائي بحقوقهم ولجمع مطالبهم داخل الشركة، وهو أمر تكرهه أمازون عموماً وتخشاه الإدارة بشكل خاص.''
بصفته أحد الأعضاء النقابيين القلائل ضمن الطاقم الإداري في أمازون، يصف غيوم روبان ''ثقافة الشركة بأنها معادية للنقابات'' التي يُنظر فيها إلى النشاط النقابي كشكل من أشكال الخيانة. فمن ينتمون إلى النقابات مضطرون للقيام بذلك ''سرا''. ومع ذلك، تمكن روبان، بعد تلقيه العقوبة التأديبية، من تأسيس عدة فروع نقابية ضمن صفوف الإدارة، من بينها فرع في مقر كليشي. وقد رفع القضية إلى محكمة العمل للطعن في العقوبة، وهو يطالب بتعويضات على أساس التمييز المناهض للنقابات.
في مركز التوزيع في بريتيني-سور-أورج بمنطقة إيسون، يعرف فريق ''سود-سوليداير'' هذه الأساليب جيداً. يقول جوزيف موكوكو، الممثل النقابي وعضو اللجنة الاجتماعية والاقتصادية في مكان العمل: ''نحن مستهدفون بشكل منتظم.'' وفي يناير 2026، دُعي هو ونحو عشرة من زملائه إلى البرلمان الأوروبي لحضور جلسة استماع أمام لجنة التوظيف والشؤون الاجتماعية، حيث استُجوب مسؤولو أمازون بشأن ممارسات الشركة المناهضة للنقابات في أوروبا. وقد كشفت هذه الجلسة عن حالات عديدة: خلية نقابية تعرضت للتسلل في إيطاليا، ونقابي فُصل في بولندا بسبب تحقيقه في وفاة أحد العمال، وممثل نقابي في سلوفاكيا أُنهيت خدمته بعد إجازة أبوة.
ورفضت أمازون التعليق على هذه الحالات المختلفة، لكنها أكدت أن ''جميع الإجراءات التأديبية تُتخذ بمعزل عن النشاط النقابي''، وأنه ''لا توجد أي صلة بين أي عقوبة تأديبية والمشاركة في نشاط نقابي أو أي حدث خارجي.''
تكشف الشهادات التي جمعتها ''باستا!'' عن نظام راسخ لا يستهدف النشاط النقابي فحسب، بل يطال أيضاً سلوك الأفراد. ويسرد الممثلون النقابيون الذين جرت مقابلتهم مواقف عديدة يمكن أن تؤدي إلى عقوبات: سيارة أُوقفت بشكل غير سليم، أو عربة نقل بضائع استُخدمت بطريقة غير صحيحة، أو زلة لسان، أو نبرة حادة قليلاً... ويقول جان-فرانسوا بيرو، ممثل ''سود-سوليداير'' في مستودع ساران قرب أورليان، إنه يواجه هذه ''العقوبات العبثية'' يومياً، وإنها ''يمكن أن تطال جميع العمال، لكن مسار الفصل يسير بوتيرة أسرع بكثير بالنسبة لمن هم أعضاء نقابيون ويصبحون هدفاً للإدارة.''
ووفقاً لعالم اجتماع العمل فرانشيسكو سباتو ماسيمو، يُستهدف الأعضاء النقابيون لأن لديهم القدرة على تحدي النموذج الاقتصادي والتنظيمي لأمازون. ففي عام 2025، حققت الشركة أرباحاً بلغت 65.75 مليار يورو، بأكثر من 1.5 مليون موظف حول العالم، يعمل معظمهم في مستودعاتها، بما في ذلك أكثر من 25 ألف عامل مستودعات في فرنسا وحدها. وترتكز هذه الربحية إلى حد كبير على تنظيم عمل مصمم بدقة تديره الخوارزميات.
وتُظهر أبحاث عالم الاجتماع أن الشركة، وإن كانت تستخدم آليات ضغط لزيادة الكفاءة، بما في ذلك ضغط العمل، وتقييمات الأداء الفردي، والوعود بالتوظيف الدائم، فإنها تستهدف أيضاً النقابات التي تطالب بأجور أفضل وتثير المخاوف بشأن وتيرة العمل المفرطة وحوادث العمل الناجمة عنها. ويلخص الباحث الوضع قائلاً: ''تُعبئ أمازون القوة العاملة لعمالها بينما تعطل في الوقت نفسه قدرتهم على العمل الجماعي.'' ويوضح: ''من منظور الإدارة، فإن الخطر الحقيقي يكمن في وجود نقابات قادرة على التدخل في الأجور وفي طريقة تنظيم العمل.''
ويصف أنتوني سميث، مفتش العمل السابق والعضو الحالي في البرلمان الأوروبي عن حزب ''فرنسا الأبية'' (La France (Insoumise الوضع على النحو التالي: تطرد أمازون العمال بحجة العجز حتى لا تضطر إلى استحداث مناصب مناسبة لهم فهي تريد قوة عاملة سليمة يمكن استخدامها بكامل طاقتها البدنية. ولهذا السبب فإن النشطاء النقابيين المدافعين عن صحة العمال وسلامتهم يُخِلّون بنموذج عمل أمازون.''
حين لا تستطيع أمازون منع عمالها من التنظم، فإنها قد تتجاوز ممارساتها المعتادة المناهضة للنقابات. ففي 22 يناير 2025، أعلنت الشركة أنها ستغلق جميع منشآتها السبع للتخزين والفرز والتوزيع في كيبيك. وقد قدمت الشركة متعددة الجنسيات أسباباً اقتصادية علنية لتبرير هذا القرار المفاجئ. لكن خلف الكواليس، كانت أمازون تحاول التعامل مع وضع لم تكن تتوقعها ألا وهو تأسيس فروع نقابية داخل منشآتها.
حين أطلق ''الاتحاد النقابي الوطني'' (CSN)، أكبر نقابة نضالية في كيبيك، حملة تنظيمية في مركز توزيع شرق مونتريال عام 2023، علّقت أمازون ملصقات ذات طابع أبوي مناهضة للنقابات في أنحاء مختلفة من مكان العمل، بما في ذلك دورات المياه. وجاء في هذه الملصقات: ''احتفظ بتوقيعك. لا يمكن للنقابات أن تضمن تغييرات في مكان العمل''، و''النقابات تفرض عليك رسوم عضوية.'' وبعد هذه الحملة، اقترب الاتحاد من الحصول على دعم الأغلبية ليصبح الجهة المفاوضة المعتمدة، لكنه أخفق بفارق ضئيل. غير أنه نجح عام 2024 في الحصول على حكم قضائي ضد الشركة بتهمة عرقلة النشاط النقابي.
وفي العام نفسه، تحرك الاتحاد مجدداً ونظّم بشكل سري تأسيس فرع نقابي في مركز توزيع آخر في لافال، شمال مونتريال. ونجحت الحملة، وتأسست أول نقابة لأمازون في كندا في مايو 2024 وكان الهدف إجبار عمالقة التجارة الإلكترونية على توقيع اتفاقية تفاوض جماعي تنظم شروط العمل والأجور وقواعد الأقدمية، مع توفير حماية أكبر للعمال في حال تسريحهم.
لم توقع أمازون قط اتفاقية تفاوض جماعي من هذا النوع مع عمالها في أي مكان في أمريكا الشمالية. ويقول فيليكس ترودو، أحد العمال في منشأة لافال الذي أدى دوراً فاعلاً في جهود التنظيم النقابي، إن مديري الشركة حضروا إلى المنشأة بعد أيام قليلة من تأسيس النقابة: ''كانوا في الواقع مستفزين تابعين للإدارة، أي كاسري إضراب. كانوا يتجولون ويتحدثون مع العمال، يسألونهم عن أحوالهم وما إذا كانت لديهم أي مشاكل، ويخبرونهم أنهم غير مضطرين للانضمام إلى النقابة.'' وبعد أشهر قليلة، قررت أمازون رفع أجور جميع عمالها في كيبيك... باستثناء العاملين في منشأة لافال.
وبحلول نهاية عام 2024، وصلت المفاوضات مع الإدارة إلى طريق مسدود، ولم يبق أمام الاتحاد سوى خيار واحد. ففي كيبيك، حين يتعذر على النقابة والشركة التوصل إلى اتفاق، تُعيّن الدولة قاضياً بإمكانه أن يأمر بتوقيع اتفاقية تفاوض جماعي تستوفي في حدها الأدنى معايير قانون العمل في كيبيك. وفي 22 يناير 2025، كان فيليكس ترودو يستعد للمثول أمام المحكمة الإدارية للعمل في الجولة الأخيرة من المفاوضات، والتي كان يُتوقع أن تُفضي إلى تعيين قاضٍ. وفي صباح ذلك اليوم، تلقى رسالة من محامي الاتحاد: ''أُلغيت الجلسة، أمازون تنسحب من كيبيك.''
وبدلاً من توقيع اتفاقية تفاوض جماعي، اختارت أمازون الانسحاب من تشغيل منشآتها في كيبيك. وفي غضون شهر واحد، فقد 4500 شخص وظائفهم. وفي خطوة غير معتادة تماماً بالنسبة للشركة، بات فرز الطرود وشحنها في كيبيك يتم الآن عبر مقاولين من الباطن. وقال فيليكس ترودو: ''كان بإمكان اتفاقيتنا الجماعية أن تكون مصدر إلهام لعمال أمازون في الولايات المتحدة. وهذا أحد الأمور التي لا تستطيع أمازون تحمّلها'' مشيراً إلى أنه في المستودع الوحيد لأمازون في الولايات المتحدة الذي يضم نقابة، وهو منشأة ستاتن آيلاند، لا يزال كريس سمولز ونقابته ''اتحاد عمال أمازون'' (Amazon Labor Union) يناضلان لانتزاع اتفاقية تفاوض جماعي.
وفي بداية مايو، أعلنت أمازون عن استثمار بقيمة 15 مليار يورو في فرنسا، واعدة بخلق 7000 وظيفة جديدة. وبذلك يبدو أن الشركة ماضية في توسيع عملياتها مع الحفاظ على نموذجها المناهض للنقابات. وينتقد أنتوني سميث هذا التوجه قائلاً: ''وراء هذه الوظائف توجد شركات مقاولة من الباطن يبلغ عددها ثلاثة أضعاف، ستعمل لصالح أمازون وتتبنى نموذجها. إن أمازون تنتهك قانون العمل بشكل منهجي ومتعمد، وتضرب لأصحاب العمل أسوأ مثال ممكن.''
