Palestine

«الدَّرْك الأسفل من الجحيم»

الصحفيّ الفلسطيني محمّد قاعود المعتقل السابق في معسكر الاعتقال الصهيوني سيئ الصيت “سدي تيمان”، يشهد على معاملة الأسرى السياسيّين الفلسطينيّين.
هذا هو المقال الثاني في سلسلة من أربعة أجزاء حول قانون الإعدام الإسرائيلي بحقّ الفلسطينيين، مستلٌّ من المداخلات التي قُدِّمت خلال ندوة السابع عشر من أيار/مايو التي استضافتها الأممية التقدّمية ومنظّمة الشبيبة الفلسطينية. محمّد قاعود أسيرٌ محرَّر من غزّة وصحفيٌّ اعتُقل في معسكر سدي تيمان. يقدّم قعّود شهادةً على ظروف الاعتقال، واصفاً ممارساتٍ ممنهجةً من التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي، والتجويع، والإذلال، والعزل القسري. ويرى أنّ هذه الممارسات لا تعمل على معاقبة الأسرى فحسب، بل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي في غزّة، مقدِّماً قانون الإعدام المقترح بوصفه امتداداً قانونيّاً لبنى العنف القائمة داخل السجون الإسرائيلية.

ما إن وصلتُ إلى سدي تيمان — ونحن أبناءَ غزّة حديثو العهد بتجربة الاعتقال — حتى استقبلَنا الضابط المسؤول عن المعسكر. قال لنا: «أنا لا أعلم — لا أؤمن — بأنّ هناك حياةً بعد الموت، أو أنّ هناك جنّةً أو ناراً. لكن ما أعلمه يقيناً هو أنّكم لن تخرجوا من هنا أحياء. أهلاً بكم في جحيم إسرائيل.»

ولم يكن سدي تيمان مجرّد جحيم. كان الدَّرْك الأسفل من الجحيم.

ما إن وصلنا إلى سدي تيمان حتى كنّا مُعصَّبي الأعين، مُقيَّدي الأيدي، مُجبَرين على الجلوس على ركبنا بوضعيّة التشهّد في الصلاة أكثر من ثماني عشرة ساعةً يوميّاً. واستمرّ هذا مع الأسرى ما بين مئة ومئة وخمسين يوماً، في الوضعية نفسها، ممنوعين من الكلام، ومن الحركة، ومن النظر — محجوبين عن الوعي، محجوبين عن كلّ شيء، معزولين عن العالم الخارجي، ممنوعين من العبادات. وكانت إدارة المعسكر تُسقط علينا برنامجاً منظَّماً للتعذيب، بعيداً عن أيّ رقابة. واتّخذ التعذيب أشكالاً عدّة، وكان النظام المعمول به في جميع أقسام سدي تيمان — لا في سجون مصلحة السجون الاعتيادية.

الشكل الأوّل هو التعذيب الجسدي التقليدي، من خلال إجبارنا على وضعيّة جلوسٍ واحدة، ومن خلال عمليّات القمع التي كانت تجري بشكلٍ شبه يومي. والقمع يشمل تكسير المفاصل، وتعذيب الأسرى، وجرح الوجوه وعموم الجسد. كذلك ساعات الشَّبَح الطويلة، سواءً في الأقسام أو خلال التحقيق. كانوا يسكبون الماء المغلي على أجسادنا، ويفتحون الجروح أو يَنكَؤون الجروح التي قاربت على التعافي. هذا هو النوع التقليدي من التعذيب. كان يَسقط على الأسرى؛ لم يخرج أسيرٌ من سدي تيمان من دون عشرات الجروح.

أذكر أنّني، منذ لحظة اعتقالي، بدأتُ أرسم في ذهني طريقةً لتوثيق كلّ ما أمرّ به، بحكم أنّني صحفيّ وأردتُ أن أوثّق كلّ ما نتعرّض له من انتهاكاتٍ داخل هذه السجون. كنتُ أعدّ الكسور التي أتعرّض لها — إلى أن وصلتُ إلى تسعة عشر كسراً. ثمّ وصلتُ إلى حالةٍ من اليأس، لأنّني لو واصلتُ عدّ هذه الكسور لكنتُ أضفتُ إلى نفسي معاناةً نفسيّةً — أنّني أتعرّض للتعذيب والكسر دون أيّ سبب، ودون أيّ دعمٍ أو إسنادٍ خارجيٍّ من المجتمعات أو المؤسّسات الحقوقيّة أو حتى الدول التي تتغنّى بالديمقراطية.

الشكل الثاني من التعذيب هو التجويع. كان وضعنا مختلفاً نوعاً ما؛ كانوا في غالب الأحيان يقدّمون لنا الطعام، عبارة عن شرائح من اللحم، لكنّها كانت تأتي في أغلب الأحيان متعفّنة. كانوا يوزّعون مع كلّ وجبةٍ ثلاث أو أربع شرائح، فيُضطرّ الأسير إلى استئصال الجزء المتعفّن وأكل المتبقّي. وكان يأتي مع كلّ وجبةٍ علبة لبنٍ وزنُها أربعة عشر غراماً — أي ما يعادل مقدار ملعقةٍ صغيرة. وفي أغلب الأحيان كانوا، كلّ خمسة عشر إلى عشرين يوماً، يجلبون لنا ملعقة مربّى واحدةً للتعويض عن مستوى السكّر المنخفض في الجسم. وكانت تُرفَق بقطعة بندورةٍ تالفةٍ في غالبها. وقد سبَّب هذا لنا الكثير من المشاكل. أذكر أنّه حدثت في أحد الأقسام حالة تسمّمٍ جماعي، لأنّ الأكل كلّه كان تالفاً.

حاولنا أن نُضرب عن الطعام كي يحسّنوا جودته. كانوا يعتبرون أنّنا أصلاً لم نصل إلى مرحلة الإنسان كي نأكل أكلاً يستحقّه الإنسان. كان كثيرٌ من الضبّاط يقولون لنا: «الحيوان عندي في البيت يأكل أحسن من الأكل الذي تأكلونه. لكنّك لم تصل بعد إلى أن تكون إنساناً. أنت مجرّد رقم. أنت لا تستحقّ أن تعيش حياةً إنسانية. فلا تنتظر منّي أن أُطعمك، أو أن أُحضر لك أكلاً نظيفاً وجيّداً، لأنّك لست إنساناً.» وأدّى ذلك إلى أنّ غالبيّة الأسرى فقدوا أرقاماً غير منطقيّةٍ من أوزانهم. أنا، مثلاً، فقدتُ اثنين وأربعين كيلوغراماً من وزني. وأحد زملائي الأسرى فقد خمسةً وثمانين كيلوغراماً — فَقَد وزن إنسانٍ كامل — لمجرّد مروره بهذه التجربة من التعذيب بالتجويع.

الشكل الثالث هو امتهان آدميّة الإنسان. ويبدأ ذلك من لحظة دخولك: يُنتزع منك اسمك ويُعطى لك هويّة جديدة، هي الرقم. تصبح مجرّد رقمك. تبدأ تشتهي أن تسمع اسمك. أنت مجرّد رقمٍ يُنقل من مكانٍ إلى مكان، ومن قائمة إلى قائمة. وكثيراً ما كان الضبّاط يقولون لنا: «أنت مجرّد رقم. لا أحد يعرف عنك أصلاً. لو أطلقتُ النار على رأسك، لما درى بك أحد.»

أنا، مثلاً، مكثتُ في سدي تيمان مئة يوم. لم أغيّر ملابسي خلالها — لا الداخلية ولا الخارجية. كلّ هذه الملابس عليها الدم وآثار التعذيب. مئة يومٍ لم أقصّ أظافري، مئة يومٍ لم أقصّ شعر جسمي، مئة يومٍ لم أحصل على حمّامٍ نظيفٍ واحد. والحمّام كان مجرّد حصّةٍ من حصص التعذيب: يعطونك مهلة ثلاث دقائق لفكّ الكَرَبشات ونزع الملابس والاستحمام بماءٍ بارد، ثمّ ارتداء الملابس وإعادة الكَرَبشات إلى يديك. كلّ هذه العمليّة في ثلاث دقائق فقط — وأحياناً دقيقتين، حسب أهواء الضابط المناوب.

هذا شكلٌ من أشكال التعذيب. أنت لا تعامل نفسك كإنسان، بل تعامل نفسك على أنك في الأساس لست إنسانًا. الاحتياجات الطبيعية الفطرية لدى البشر، لا يُسمح لك بامتلاكها — لأنك في الأساس لست إنسانًا.

الشكل الرابع هو التعذيب النفسي، الذي كان، في ظروفنا كأسرى غزّة في ظلّ حربٍ ناشبة، أصعب من التعذيب الجسدي بمراحل. أنت معزولٌ عن العالم الخارجي. لا تعرف شيئاً. لا تعرف إن كان أهلك أحياءً أم أمواتاً، إن كان منزلك قد استُهدف أم لا، ما الذي جرى لأحبّائك، إن كانوا قد نزحوا أم لا.

كان الجيش والضبّاط يستهدفون الحالة النفسية عبر تمرير معلوماتٍ مغلوطة. كانوا يجلبون أحدهم للتحقيق ويقولون له: «أسرتك في المكان الفلاني» — وهذا حدث معي شخصيّاً، ومع عشراتٍ، وربّما مئاتٍ من الأسرى. يعطونك مكان تواجد أو مكان نزوح أسرتك، ويقولون لك إنّهم استهدفوها، ويعدّون لك أسماء الناس الذين كانوا في البيت وتمّ استهدافهم. وقد استخدم بعضهم الذكاء الاصطناعي لتصميم فيديوهاتٍ وصورٍ لجثث أفراد الأسرة، كنوعٍ من الضغط والابتزاز.

ومن أشكال التعذيب النفسي ما كانوا يسمّونه «قاعة الديسكو» — يُدخلونك قاعةً فيها درجة عالية من الموسيقي الصاخبة على مدار الساعة. قد تمكث فيها يوماً، يومين، ثلاثة. وثمّة ناسٌ مكثوا شهراً وأكثر، بلا نومٍ، ولا أكلٍ، ولا أيّ نوعٍ من العبادة، ولا حتى فرصة لدخول الحمّام لقضاء الحاجة، مع موسيقى صاخبةٍ على مدار الساعة، كنوعٍ من كسر الأسير قبل خوضه جولات التحقيق.

الشكل الخامس والأخير من التعذيب — وهو الأشدّ قسوة — هو التعذيب الجنسي. مُورس التعذيب الجنسي على أسرى غزّة بشكلٍ خاصّ؛ ولاحقاً مُورس على جميع الأسرى، لكنّ بدايته كانت مركَّزةً على أسرى غزّة. واتّخذ أساليب عدّة. الأسلوب الأوّل هو التفتيش العاري. كنّا مراراً نُفتَّش بشكلٍ عارٍ — كلّ مرّةٍ يتمّ نقلك فيها، كلّ مرّةٍ يتمّ استجوابك للتحقيق، كلّ مرّةٍ تُؤخذ فيها إلى أيّ مكان، يتمّ تفتيشك بشكلٍ عارٍ كلّيّاً. والأسلوب الثاني هو التحرّش والضرب على الأعضاء التناسلية. وكان هذا يجري بشكلٍ شبه يوميٍّ خلال عمليّات القمع. كان الأسرى يتعرّضون للتحرّش بشكلٍ دائم، وللضرب المميت على الأعضاء التناسلية، بهدف الإخصاء، إن صحّ التعبير والأسلوب الثالث هو الاغتصاب باستخدام أدواتٍ صلبة. شهدنا مرّاتٍ عديدةً أسرى يُغتَصبون خلال عمليّات القمع باستخدام عصيٍّ وأدواتٍ صلبةٍ مخصّصةٍ لهذا الغرض، وعادةً ما يحدث ذلك خلال عمليّة القمع. والأسلوب الرابع هو الاغتصاب باستخدام حيواناتٍ مدرَّبة. خلال عمليّة القمع كانوا يُحضرون كلاباً مدرَّبةً على عمليّة الاغتصاب، ويتمّ اغتصاب الأسير من خلال هذه الكلاب، على مرّاتٍ متكرّرةٍ ومتباعدة. والشكل الأخير هو الاغتصاب البشري. هناك شهاداتٌ لأسرى وأسيراتٍ تعرّضوا للاغتصاب — الاغتصاب الجماعي أو الاغتصاب المتكرّر — سواءً في غرف التحقيق أو في غرف العزل والتعذيب.

الحقيقة أنّنا، نحن أسرى غزّة، لم نكن عسكريّين أو جامعيّين أو مثقّفين أو رجال أعمال. كان الاحتلال يحاول، عبر عمليّة التعذيب الممنهجة، المُسقطة بشكلٍ منظَّمٍ وبهذه الأساليب المتكرّرة والمتنوّعة، أن يُحدث عمليّة كَيِّ وعيٍ للغزّيين عموماً، على اعتبار أنّ غزّة كانت، على مدار العقدين الماضيين، من أكثر المناطق الجغرافيّة في فلسطين دعماً واحتضاناً للمقاومة الفلسطينية. وكان الضبّاط مراراً يخبروننا بأنّ هذا القمع نتيجة احتضان الشعب أو الاحتضان العامّ للمقاومة بكلّ أشكالها. وحتى لو لم تكن منتمياً إلى حركة حماس أو الجهاد الإسلامي أو غيرها من فصائل المقاومة في قطاع غزّة، فأنت تنتمي روحيّاً إلى هذه الفئة، بحيث إنّك لم تنقلب عليها، ولم تخرج عليها، ولم تثر عليها خلال فترة العشرين عاماً، أو منذ بداية انتفاضة الأقصى. ولذلك كلّ ما تجنونه من تعذيبٍ تجنونه على أنفسكم، نتيجة دعمكم المباشر أو غير المباشر للمقاومة.

كان السجن عبارة عن عمليّة كَيِّ وعيٍ منظَّمةٍ للغزّيين، حتى يكون هؤلاء الأسرى سفراء للوعي المشوَّه الذي أراده السجّان من خلال هذه العمليّة من التعذيب.

الحقيقة أنّ قانون الإعدام مجرّد شكلٍ تحسيني وتجميلي لما يحدث فعليّاً داخل سجون الاحتلال. لم يتوقّف الإعدام، ولم تتوقّف الإبادة، داخل سجون الاحتلال. وقد وُثّق عشرات الشهداء، لكنّ ما لم يُوثَّق وما لم يخرج إلى الإعلام أكبر بكثير.

نحن في غزّة، الأسرى من القضايا الثابتة بالنسبة إلينا، ومن محرّكات كلّ الأعمال. نستطيع أن نضحّي مقابلها، وهذه هي تجربة غزّة خلال السنوات الماضية. نضحّي بكلّ ما نملك في مقابل حرّيّة الأسرى. حتى إن هُدمت بيوتنا، وحتى إن فقدنا أحبّاءنا — إن كان الثمن هو حرّيّة الأسرى، فهذا كلّه يهون. لكنّ المؤسف اليوم، في ظلّ شرعنة قانون الإعدام — وبعد حجم التضحيات الكبيرة، والتخاذل الكبير الذي شعرنا به في غزّة من إخواننا العرب والمسلمين — أنّنا بعد كلّ هذه التضحيات لا نستطيع أن نُخرج الأسرى أو أن نُبيّض السجون. وعليه يأتي قانون الإعدام كحلقةٍ تكميليّةٍ في حلقات الإبادة بالنسبة إلينا. رغم ما قدّمناه، يأتي هذا القانون تتويجاً لهذه التضحية: أنّ كلّ هذا لم يوصلنا إلى النتيجة التي نقدّم كلّ هذه التضحيات من أجلها، وأنّ الأسرى — أولادنا، وإخواننا، وأحبّاءنا — قد يتعرّضون للإعدام. سواءٌ أسرى السابع من أكتوبر، أو حتى رموز الأسرى كالأسير مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وغيرهم من رموز الحركة الأسيرة.

علينا أن نحمي الرواية الإنسانية للأسرى. الاحتلال يحاول دائماً أن يصوّر الأسير في قالب المجرم أو العنصر الأمني. الحقيقة مختلفةٌ تماماً. نحن أصحاب حقّ. كلّ الأسرى الذين اعتُقلوا سابقاً ولاحقاً، اعتُقلوا بناءً على خلفيّة عملٍ مقاوم، وهذا حقٌّ مكفولٌ بكلّ القوانين.

ولكي نحمي هذه الرواية الإنسانية للأسرى: خلف كلّ أسيرٍ قصّةٌ كاملة. هناك أمٌّ تنتظر، وهناك أطفالٌ يكبرون بعيداً عن آبائهم. وهناك عروسٌ تُزفّ إلى زوجها من دون والدها بجانبها. لذلك، بالحدّ الأدنى — ونحن عاجزون عن المقاومة المسلّحة، أو عاجزون عن اتّخاذ خطواتٍ عمليّةٍ للإفراج عن الأسرى والتخفيف عنهم — علينا أن نحكي قصصهم، كأناسٍ، كأشخاص. كآباءٍ، وأمّهاتٍ، وإخوة. لا كإحصاءاتٍ وأرقام. لا كأشخاصٍ يتعرّضون للتعذيب الدوريّ، وكشهاداتٍ لأسرى يُسحقون داخل السجون.

يمكنك مشاهدة الندوة عبر الإنترنت بالكامل هنا.

Available in
EnglishArabic
Date
22.05.2026
PalestineColonialism
Progressive
International
Privacy PolicyManage CookiesContribution SettingsJobs
Site and identity: Common Knowledge & Robbie Blundell