في فبراير 1927، اجتمع 175 مندوب من حول العالم في بروكسل لعقد المؤتمر التأسيسي للعصبة المناهضة للإمبريالية والاضطهاد الاستعماري. إذ هدفوا لسنوات عديدة إلى إنشاء حركة جماعية عالمية مناهضة للإمبريالية، حيث ألهمت ودعمت العصبة المناهضة للإمبريالية والاستعمار حركات النضال ضد الاستعمار والإمبريالية حول العالم. وكانت جزءًا مبكرًا من نسيج متنامٍ من التشكيلات الأممية التي أعادت تشكيل المشهد السياسي للقرن العشرين. بعد مرور مئة عام، وعلى الرغم من أن العالم قد مر بتغيرات كبيرة، لا زالت الوحدة ضد الاستعمار والإمبريالية لا تقل أهمية عما مضى. قد انحسر الحكم الاستعماري الرسمي — الإدارة الإقليمية المباشرة لشعب من قبل شعب آخر— على نحو كبير، ولكن الإمبريالية لم تنحسر على النحو ذاته. لا زالت تؤدي دور العلاقة الهيكلية للاقتصاد العالمي حيث يتحكم مركز مكوّن من دول رأسمالية في تدفقات رأس المال والسلع والعمل بما يخدم مصالحه. فبالنسبة للشعوب المضطهدة من العالم — على وجه الخصوص العمال والفلاحون في الجنوب العالمي — تمثل الإمبريالية كارثة تجلب معها انعدام الأمان الوظيفي، تدني الأجور، التقشف، والتخلف التنموي. لا يملك معظم الناس رأيًا في السياسات الأكثر تأثيرًا في حياتهم. وبالتأكيد، فأن الإمبريالية في أغلب الأحيان تفرض أوامرها بتهديد السلاح.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عززت الإمبريالية قواها ورسخت مركزها في الولايات المتحدة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية الاشتراكية، ظلت الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة إلى حد كبير بلا منافس — وهو وضع سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ عليه بأي ثمن. وفي وثائق استراتيجية اعتمدت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، حددت الولايات المتحدة أهدافها بوضوح: حرمان دول الجنوب العالمي من إمكانية تحقيق التنمية من خلال "آليات لردع المنافسين المحتملين حتى عن مجرد الطموح إلى أداء دور إقليمي أو عالمي أكبر". [[1]](https://onlyoffice.infomaniak.com/9.4.1-806540acadcab17982ebbc0bc056acdf/web-apps/apps/documenteditor/main/index.html?_dc=9.4.1-15&lang=pt&customer=ONLYOFFICE&headerlogodark=https://kdrive.infomaniak.com/images/office_logo_word_dark.svg&headerlogolight=https://kdrive.infomaniak.com/images/office_logo_word_light.svg&type=desktop&frameEditorId=container-iframe-inside&isForm=false&parentOrigin=https://kdrive.infomaniak.com&fileType=docx#_ftn1)
لكن استراتيجية الولايات المتحدة فشلت من نواحٍ عديدة. فالنظام العالمي يشهد تحولًا جذريًا، وتبرز مراكز قوة جديدة — وهو اتجاه تسارع بشكل ملحوظ بعد الأزمة المالية لعام 2008.
في المجال الاقتصادي، أصبحت هيمنة الولايات المتحدة موضع تحدٍ بسبب صعود الصين. كما مكّن صعود الصين مستعمرات سابقة أخرى من إقامة شراكات جديدة خارج قيود النظام الإمبريالي. وتنقل هذه الحركة العالم بعيدًا عن الهيمنة الغربية نحو واقع مجزأ ومتعدد المراكز — حيث يؤدي الانتشار المتزايد للتراكم والثقل السياسي إلى خلق هامش للمناورة أمام دول الجنوب.
هذه العملية ليست خطية، كما أنها لا تضمن تلقائيًا نتائج تقدمية. فالإمبريالية تحشد قواها ضد هذه التحولات، وغالبًا ما تلجأ إلى عنف شديد. كما أن كل الدول التي تقود هذه العمليات لا تتبنى توجهًا اشتراكيًا. ومع ذلك، يستمر النضال من أجل السيادة في التقدم. وسيتطلب ذلك تنظيمًا واعيًا وحازمًا لعمال العالم والشعوب المضطهدة من أجل منح مضمون تقدمي للتحولات التي تتكشف اليوم.
ليست الإمبريالية ظلمًا واحدًا من بين مظالم عديدة. إنها التناقض الأساسي في نظامنا — العلاقة التي تنظم الاقتصاد العالمي وتشوه الصراع الطبقي في كل قارة.
فالحروب، والاستدانة، والتخلف، والانهيار البيئي، كلها تجليات لهذا التناقض. ويترتب على ذلك أنه لا يمكن معالجتها بصورة مجزأة، ضمن إطار النظام الذي ينتجها، وإنما لا يمكن حلها إلا بقطع شرايين التراكم الإمبريالي. وتقع هذه المهمة على عاتق شعوب الأطراف، التي يعيد النظام إنتاج نفسه من خلالها، وعلى عاتق عمال المركز، الذين يدّعي أنه يعمل باسمهم.
وبشكل متقطع ومتفاوت، بدأت هذه العملية بالفعل. فمركز الثقل الاقتصادي العالمي يتحول تدريجيًا نحو آسيا، ولا سيما الصين. كما تقاوم الدول والشعوب الإملاءات الإمبريالية، فيما تنشأ أنظمة جديدة للتعاون والتبادل للالتفاف على الأنظمة التي تهيمن عليها بلدان الشمال العالمي.
وترد الإمبريالية على هذه التحولات بتصاعد نزعتها العدوانية. إذ تتكثف محاولاتها لإحكام السيطرة على الأسواق، والتمويل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية الاستراتيجية، والطاقة، والموارد الحيوية، وتوسيع نطاق هذه السيطرة. وفي خضم ذلك، شنت حربًا ممنهجة ضد عمال العالم وشعوبه المضطهدة. وتُخاض هذه الحرب عبر إعادة الهيكلة النيوليبرالية، والعقوبات، والديون، وهي أدوات تفرض خفض الأجور وأسعار الموارد، وتقويض التنمية في بلدان وشعوب الجنوب، وتستند في نهاية المطاف إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية أو اللجوء إليها فعليًا.
وقد وصف فلاديمير لينين الإمبريالية بأنها «الرأسمالية المحتضرة»، أي المرحلة الأخيرة من تطور النظام. فمن ناحية، تمثل الإمبريالية الرأسمالية في أعلى مراحل تطورها، حيث تهيمن الاحتكارات الدولية العملاقة على الإنتاج، ويسيطر رأس المال المالي على الصناعة، ويُصدَّر رأس المال من المراكز الإمبريالية إلى الأطراف، ويُقسَّم العالم اقتصاديًا وإقليميًا.
ومن ناحية أخرى، رأى لينين أنها المرحلة الأخيرة لأن النظام بلغ حدوده التاريخية. ولم يكن يقصد بذلك أن النظام يواجه انهيارًا وشيكًا. فبعد مرور مئة عام على تأسيس العصبة المناهضة للإمبريالية، لا يزال الاقتصاد العالمي قائمًا على البنية الإمبريالية. غير أن هذه الإمبريالية قد تجاوزها عصرها؛ فهي نظام بلغ حدوده ولم يعد قادرًا على حل تناقضاته الداخلية.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يخضع الاقتصاد العالمي لسيطرة احتكارات عملاقة. فمن خلال تركيز رأس المال وتمركزه، أصبحت معظم القطاعات الاقتصادية خاضعة لهيمنة عدد محدود من الشركات الكبرى. وتستغل هذه الكيانات قوتها السوقية لاحتجاز الاقتصاد رهينةً بهدف تحقيق أرباح احتكارية فائقة. وما إن يُظهر المنافسون أي بوادر ضعف، حتى تبادر هذه الشركات إلى القضاء عليهم أو الاستحواذ عليهم، مما يعزز هيمنتها ويجعل الحديث عن «السوق الحرة» مجرد شعار أجوف.
وفي البلدان الإمبريالية، تتجلى هذه العملية في الهجوم على المكاسب التي حققتها الديمقراطية الاجتماعية بعد نضال طويل، وهي مجموعة من التنازلات المؤقتة التي انتُزعت من الرأسمالية خلال فترة اتسمت باضطرابات عميقة. أما في أطراف النظام العالمي، فتتجلى في استهداف البنية الأساسية للدولة ذاتها، حيث يجري تفكيكها بصورة منهجية لتسهيل عمليات التراكم لصالح الشركات الدولية الكبرى. وفي مختلف أنحاء العالم، تجد الدول نفسها عاجزة عن إعادة توظيف دخلها الوطني في خدمة التنمية. وبدلًا من ذلك، تُستنزف ثرواتها الوطنية بصورة منهجية لتتدفق إلى وول ستريت أو إلى الحي المالي في مدينة لندن.
ولا يزال رأس المال يتدفق عبر العالم سعيًا إلى تحقيق أعلى معدل ممكن من الأرباح لمالكيه، الذين يقيم معظمهم في المركز الإمبريالي. وتتمثل النتيجة في تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، حيث يقابل تراكم الثروة لدى أقلية في الشمال استمرار الفقر والتخلف في الجنوب، اللذين تغذيهما ترتيبات الاستعمار الجديد والهيمنة الإمبريالية.
وبالنسبة للعمال، لا تُختبر الإمبريالية من خلال استخراج المعادن والثروات فحسب، بل أيضًا من خلال إعادة هيكلة العمل ذاته. فقد أصبحت سياسات تقييد أجور القطاع العام، والخصخصة، والاستعانة بمصادر خارجية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وصفات مألوفة ترافق برامج إعادة هيكلة الديون والتقشف المالي التي تروج لها المؤسسات المالية الدولية وتحظى بدعم الدول الإمبريالية.
وتشهد نسبة العاملين في الأعمال الهشة وغير الرسمية ارتفاعًا متسارعًا. وبفعل الاستيلاء على الأراضي، وتغير المناخ، والنزاعات، وعوامل أخرى، تضطر أعداد هائلة من الناس إلى مغادرة الأرياف والانتقال إلى مدن تزداد اكتظاظًا يومًا بعد يوم. ويؤدي هذا المسار إلى وضع مليارات البشر خارج نطاق آليات الحماية الاجتماعية المحدودة المتاحة للعاملين. وهذه وصفة لكارثة اجتماعية ذات أبعاد إبادية.
ومع تعمق هذه التناقضات، تواصل النخب الحاكمة البحث عن سبل جديدة للتراكم والاستغلال، بينما تُحمّل العمال والمجتمعات المحلية التكاليف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المترتبة على ذلك. ومن بين هذه السبل بروز الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية يعتمدان على المعادن الحيوية المستخرجة من بلدان الجنوب العالمي، مما يغذي سباقًا جديدًا على استخراج الموارد وبسط السيطرة على الأقاليم، من غرينلاند إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.
رأى سمير أمين أن الإمبريالية تقوم على ركيزتين: ركيزة اقتصادية تتمثل في فرض النيوليبرالية المعولمة باعتبارها السياسة الاقتصادية الوحيدة المقبولة، وركيزة سياسية وعسكرية تتمثل في الحروب والانقلابات والتدخلات التي تستهدف كل من يرفضها. [[2]](https://onlyoffice.infomaniak.com/9.4.1-806540acadcab17982ebbc0bc056acdf/web-apps/apps/documenteditor/main/index.html?_dc=9.4.1-15&lang=pt&customer=ONLYOFFICE&headerlogodark=https://kdrive.infomaniak.com/images/office_logo_word_dark.svg&headerlogolight=https://kdrive.infomaniak.com/images/office_logo_word_light.svg&type=desktop&frameEditorId=container-iframe-inside&isForm=false&parentOrigin=https://kdrive.infomaniak.com&fileType=docx#_ftn2)
وفي حين أن الحفاظ على نظام يعيد إنتاج اللامساواة استلزم دائمًا قدرًا هائلًا من العنف، فإن تراجع الهيمنة التي تقودها الولايات المتحدة أدى إلى تصعيد الإمبريالية على نحو غير مسبوق، سواء في بعدها الاقتصادي أو العسكري.
ويُجسّد الحصار الأمريكي المفروض على كوبا، والذي بلغ ذروته مؤخرًا بفرض حصار شبه كامل على الوقود حرم الجزيرة من جميع وارداتها النفطية، الحرب الاقتصادية في أقصى صورها. كما يُجسّد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره عام 2026 البعد العسكري للإمبريالية في أكثر أشكاله وقاحة. وفي الواقع، فإن التصعيد الأمريكي المتجدد في أمريكا اللاتينية يهدف إلى إعادة تفعيل وإحياء مبدأ مونرو، وفقًا لما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في أواخر عام 2025. ويستهدف هذا المبدأ إعادة تكريس نصف الكرة الغربي بوصفه «ساحة صيد» حصرية للولايات المتحدة، من خلال استهداف أي دولة تسعى إلى تنويع علاقاتها التجارية مع الصين أو روسيا.
غير أن الطموحات الأمريكية لا تقتصر على نصف الكرة الغربي. فالولايات المتحدة تنفق اليوم أكثر من 1.3 تريليون دولار سنويًا على قواتها العسكرية. ومع الحرب على غزة المدعومة من الغرب، عادت الإبادة الجماعية لتحتل موقعًا متقدمًا على الأجندة السياسية للإمبريالية. وكما صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026، فإن الغرب مصمم على إعادة فرض الهيمنة الإمبريالية على نطاق عالمي، وهو توجه ينذر بجرّ العالم إلى حرب واسعة.
وفي حين تواصل الولايات المتحدة ممارسة نفوذ عسكري ومالي هائل، لا تزال الحكومات الأوروبية، والمؤسسات المالية، والشركات متعددة الجنسيات ملتزمة بالمشروع الإمبريالي. فهي تعزز التحالفات العسكرية، والاتفاقيات التجارية، وأنظمة الاستثمار، وتواصل الدفع نحو إصلاحات سوقية تُعلي مصالح رأس المال الخاص على حساب الصالح العام. كما أنها لا تتردد في اللجوء إلى القوة العسكرية. ويُعد فهم الكيفية التي تتقاطع بها مراكز القوة الإمبريالية هذه شرطًا أساسيًا لبناء ذلك النوع من التضامن الأممي للطبقة العاملة، الضروري لمواجهة النظام الإمبريالي.
ورغم أن القوة العسكرية للإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) قد تبدو طاغية، فإن ثمة أيضًا مؤشرات على تراجعها. فلم يعد الحفاظ على نظام عالمي أحادي القطبية أمرًا ممكنًا. وإزاء هذا الواقع، لجأ النظام الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة إلى أعمال عدوانية تزداد جرأة، ولم يعد يسعى حتى إلى تبريرها بخطاب الديمقراطية أو الأمن أو التدخل الإنساني. ورغم أن الإمبريالية لم تختفِ يومًا، فإن صورتها المعاصرة أصبحت أكثر انكشافًا وأقل اكتراثًا بإخفاء حقيقتها، كاشفةً أهدافها وطبيعتها على مرأى من الجميع. ومن خلال ذلك، تسهم في تنامي الوعي بضرورة مواجهتها ومقاومتها، والعمل في نهاية المطاف على تجاوز هذا السعي العدواني إلى فرض الهيمنة العالمية.
إن صمود الشعب الكوبي، والثبات — الصمود — الذي تبديه المقاومة الفلسطينية، واستمرار التشافيزية في فنزويلا، والهزيمة المذلة التي مُنيت بها القوات الأمريكية والإسرائيلية في إيران، والتقدم المحرز في مواجهة الهيمنة الاستعمارية في منطقة الساحل، كلها تؤكد أن مقاومة هذا النظام العالمي ليست ممكنة فحسب، بل إنها جارية بالفعل.
وبالمثل، فإن استمرار النضالات ضد سياسات التقشف في كينيا، وحشد مئات الملايين من العمال في الهند، وموجات الإضرابات التي تشهدها البرتغال وفرنسا، تكشف جميعها عن ضرورة النضال الجماعي وإمكاناته. وتؤكد هذه الحركات مجتمعة حقيقةً أساسية مفادها أنه حتى في مواجهة قوة هائلة، تظل الشعوب والأمم قادرة على المقاومة، والتنظيم، وشق طريق بديل.
في هذا السياق، يمكن للمشاعر المناهضة للإمبريالية التي تتنامى اليوم بفعل الاستخدام السافر للقوة من جانب الإمبريالية أن تستفيد من الدروس التي أفرزتها الحركة المناهضة للإمبريالية، والتي نشأت عقب مؤتمر بروكسل الذي عقدته عصبة مناهضة الإمبريالية عام 1927.
لقد كان عام 1927 عامًا شهد عالمًا يمر بمرحلة انتقالية. فقد حطمت الحرب العالمية الأولى النظام القديم، كاشفةً أن «الحضارة» الإمبريالية لم تكن سوى حضارة تقوم على المذابح الصناعية والهيمنة الاستعمارية. واجتاحت الثورة الاشتراكية روسيا، وانتشرت الأفكار التي أطلقتها في مختلف أنحاء العالم المستعمَر، مُلهمةً حركات امتدت من القاهرة إلى كانتون. وقد منح إدراك لينين بأن نضالات الشعوب المستعمَرة لم تكن قضيةً هامشية بالنسبة للحركة العمالية، بل كانت محورًا أساسيًا في هزيمة الإمبريالية، إطارًا نظريًا للنضالات التي كانت تتصاعد في مختلف أنحاء العالم. وعندما اجتمع المندوبون في بروكسل، كانوا جزءًا من تيار عالمي صاعد، تحركه القناعة بأن الشعوب المستعمَرة، بعيدًا عن كونها مجرد موضوعات سلبية في التاريخ، كانت القوة المحركة لتحررنا الجماعي.
فهل نعيش اليوم منعطفًا تاريخيًا آخر؟ لا تزال الإجابة عن هذا السؤال غير واضحة. غير أن ما أصبح واضحًا هو أن تناقضات النظام القائم تزداد عمقًا. فالتنامي المستمر لعدم استقرار الإمبريالية الغربية، واعتمادها المتزايد على القوة العسكرية، والعقوبات، والإكراه السياسي، والعدوان الصريح، لا يعكس ثقةً بالنفس، بل يعكس نظامًا يكافح للحفاظ على موقع هيمنة يزداد الحفاظ عليه صعوبةً يومًا بعد يوم.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يقدم أي ضمانات. فقد أفضت فترات تراجع الإمبريالية إلى التحرر كما أفضت إلى الكوارث. وإمكان التحول قائم، لكنه يحتاج إلى تنظيم واعٍ ومقصود. فالظروف نفسها التي تتيح فرصًا للتحرر قد تؤدي أيضًا إلى حروب أوسع نطاقًا، واستغلال أشد، وانهيار بيئي. ولم تكن رهانات اللحظة الراهنة يومًا بهذا القدر من الخطورة.
وفي الوقت نفسه، تمتلك البشرية اليوم قدرات غير مسبوقة. فلم تبلغ القوى المنتجة في المجتمع هذا المستوى من التطور من قبل، ولم يكن العمل البشري مترابطًا عبر الحدود كما هو اليوم. ويستند الاقتصاد العالمي إلى سلاسل إنتاج واسعة تربط العمال في مختلف القارات، بما يوفر الأساس المادي لنضال مشترك ضد نظام يركز الثروة، والسلطة، والموارد في أيدي نخبة عالمية تتضاءل أعدادها باستمرار.
ولا تزال الإمبريالية تمثل التناقض المركزي في عصرنا. فهي التي تغذي الحروب، وتعزز اللامساواة، وتعرقل التنمية، وتسرّع وتيرة التغير المناخي والتدهور البيئي. ولا تقتصر آثارها على بلدان الجنوب العالمي، بل تمتد إلى العمال والكادحين في مختلف أنحاء العالم. ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة الإمبريالية ليست مهمة دولة أو منطقة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب أوسع وحدة ممكنة بين شعوب الجنوب والطبقات العاملة في الشمال.
ولسنا الجيل الأول الذي يواجه هذا التحدي. فقد جمع المؤتمر المناهض للإمبريالية لعام 1927 الحركات الثورية، والوطنية، والعمالية من مختلف أنحاء العالم، انطلاقًا من إدراك حقيقة بسيطة مفادها أن النضال ضد الاستعمار، والاستغلال، والحرب، يتطلب وحدة أممية.
وبعد عقود، شكّل مؤتمر باندونغ في إندونيسيا محطةً بارزة في بروز هذه القوى على الساحة الدولية. فقد جمع الحركة المناهضة للاستعمار، بشقيها الوطني والشيوعي، لتأكيد مبادئ السيادة، والمساواة، والسلام، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومثّل ذلك قطيعة حاسمة مع النظام الإمبريالي والاستعماري، الذي ظل على مدى قرون يحسم القضايا السياسية بالقوة المجردة والإبادة الجماعية. ولا تزال «روح باندونغ» تحتفظ بأهميتها، لا بوصفها موضوعًا للحنين إلى الماضي، بل باعتبارها تذكيرًا بالدور التحويلي الذي يمكن أن تؤديه النضالات من أجل الاشتراكية والتحرر الوطني عندما تتحد في مواجهة عدو مشترك.
واليوم، تشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة «روح باندونغ» والنضالات التي شكّلت أساسها المادي. فخطر تصاعد الصراعات العالمية، بما في ذلك احتمال اندلاع حروب أوسع نطاقًا بين القوى الكبرى، خطر حقيقي. وكذلك التهديد الناجم عن تغير المناخ والتدهور البيئي، اللذين تقع أشد تبعاتهما على عمال العالم وشعوبه المضطهدة.
ولا يمكن التصدي لأي من هذين الخطرين في إطار التراكم والهيمنة الإمبرياليين. فالانتقال العادل يتطلب تحولًا جذريًا في النموذج القائم، بعيدًا عن الإمبريالية ونحو التخطيط العام الديمقراطي، والحوار الاجتماعي، والمؤسسات العامة القوية، والوظائف الخضراء اللائقة، وحماية العمال والمجتمعات المتضررة، وضمان الوصول العادل إلى التمويل والتكنولوجيا في مجال المناخ.
وعليه، فإن الدعوة اليوم هي إلى إدراك طبيعة اللحظة التاريخية التي نعيشها بوضوح، وتحديد القوى المسؤولة عن الأزمات التي تواجه البشرية، وبناء الوحدة الضرورية للتغلب عليها. فالمستقبل لم يُكتب بعد. وما إذا كانت هذه المرحلة ستصبح مرحلة تحرر أم مرحلة كارثة، سيتوقف على قدرة شعوب العالم على التنظيم، والتوحد، والتحرك بالسرعة والحزم اللذين تفرضهما هذه اللحظة.
وبالنسبة لعمال العالم وشعوبه المضطهدة، ينبغي ألا يقتصر إحياء الذكرى المئوية لـ LAI27 على مجرد استذكار الماضي. بل ينبغي أن يشكل فرصة لإحياء النضال غير المكتمل ضد الاستعمار والإمبريالية، باعتباره شرطًا أساسيًا لتحقيق تطلعاتنا إلى العمل اللائق، والحكم الديمقراطي، والسيادة الاقتصادية، والأجور التي تكفل حياة كريمة، والحماية الاجتماعية الشاملة، والخدمات العامة عالية الجودة، والمساواة بين الجنسين، والانتقال العادل.
كما ينبغي أن يُجدد برنامجًا عمليًا للتضامن الأممي يربط بين عمال الشمال العالمي وأولئك الذين يناضلون من أجل السيادة في الجنوب. وتنطلق هذه النضالات من واقع وطني مختلف، لكنها تواجه جميعًا البنى المشتركة للاستغلال. وتوفر خبرتها المشتركة أقوى أساس لإعادة بناء حركة أممية مناهضة للإمبريالية، تنطلق من الحياة اليومية للطبقة العاملة وتستند إلى قوتها الجماعية. وهي دعوة نطمح إلى تلبيتها في عام 2027، إحياءً واحتفاءً بمئة عام من النضال ضد الإمبريالية.
