في قرية صغيرة في راكسيرانغ ، الواقعة في التلال الوسطى لنيبال، تتعرج الممرات صعوداً على طول تل منخفض الارتفاع، هناك، جلست النساء تحت أشعة الشمس ، يفرزن الخضراوات ويتبادلن الأخبار، وباستثناء اصواتهن، كان التجمع يضم نحو 50 منزلاً من حولهن هادئاً بشكل مخيف.
وقالت بيشنو مايا براجا أن المنطقة الأوسع ، والتي يفترض بحسب السجلات أن يبلغ عدد سكانها نحو 25000 شخص، قد اصبحت تقريبا "خالية من السكان" ،حيث بدأت موجة النزوح بالرجال، و قامت النساء باتباعهم ايضاً. وذكرت براجا البالغة من العمر 26 عاماً ان زوجها قد غادر الى دبي قبل عامين للعمل سائق حافلة ، ولم يعد منذ ذلك الحين. أما شقيقتها ، فقد أمضت 4 سنوات في قبرص تعمل مقدمة رعاية لكبار السن. وتنسب براجا هذا الرحيل الجماعي الذي يتكرر في مناطق مختلفة من نيبال، إلى سوء سوق العمل المحلي في البلاد ، وبالنسبة إلى معظم الناس ، ببساطة لا يوجد خيار آخر لهم.
"مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 20 عاماً ، نحن نرى الآن أن النساء اللواتي كن العاملات الأساسيات في الأسرة ، أصبحن مزارعات أساسيات ، وهذا الدور كان يتولاه الرجال في السابق. وقالت راتشانا أوبادهيايا ، باحثة في معهد دراسات جنوب آسيا المتقدمة وجامعة بريستول. ويشير تقرير منظمة الأغذية والزراعة لعام 2019، إلى أن أكثر من 80 بالمئة من النساء في نيبال يعملن في مجال الزراعة، كما أن عدد الأسر التي ترأسها النساء تضاعف بين عامي 2012 و 2022.
ووفقاً لدراسة أجريت عام 2022 حول العوامل التي تدفع الى ما يسمى "تأنيث " الزراعة في نيبال،فإن الصراع الطويل خلال التمرد الماوي الذي استمر عقداً من الزمن وانتهى عام 2006، إلى جانب ارتفاع معدل البطالة، أدّيا إلى زيادة هجرة الرجال إلى خارج مناطقهم، وخصوصاً في المناطق الريفية ، و أدى ذلك الى نمو أعداد النساء العاملات في قطاع الزراعة . ومع ذلك، على الرغم من أن النساء أصبحن يؤدين دوراً أكثر أهمية في اتخاذ القرارات فإنهن يواجهن في المقابل أعباء عمل متزايدة وثقيلة.
في وسط نيبال ، بينما يعمل الرجال بمتوسط 55 ساعة أسبوعياًً ، يمكن للنساء أن يعملن ما يصل الى 86,5 أسبوعياًً، حيث يتولين إدارة شؤون المنزل ، والعمل في الأرض الزراعية معاًً. وقالت أوبادهايا " لهذا السبب، في كتاباتنا ، لا نستخدم مصطلح تأنيث الزراعة"، بل نقول "تأنيث عبئ الزراعة". ومع مرور الوقت تولت النساء المزيد والمزيد من الأعمال ، سواء في المراحل التي تسبق زراعة المحاصيل، أو في مراحل ما بعد الحصاد. ومع ذلك، يتحكم الرجال غالباً في الأصول المعنية، كما أن نقص الآلات ووسائل النقل المتاحة للنساء يزيد من حدة ما يسميه الباحثون " فقر الوقت" لدى النساء ، أي عدم امتلاكهم وقتاً كافياً بسبب كثرة الأعمال والمسؤوليات.
وقالت كوماري براجا،البالغة من العمر 39 عاماً، والتي تعيش في قرية ليست بعيدة عن ماناهاري، " علي ان اقوم بضعف كمية العمل "، كانت في السابق تزرع بمفردها مساحة تبلغ ثلاثة كاثا، أي ما يقارب 1000 متر مربع. وخلال موسم الحصاد، تستيقظ في الساعة الرابعة صباحاً، وتحمل اكياس الحبوب او الخضراوات، و تسير لمدة ساعة ونصف لتصل إلى أقرب موقف حافلات. ومن هناك، تستقل الحافلة إلى بلدة لبيع منتجاتها ، أما أكثر المهام مشقة في روتينها الزراعي ، فهي تقشير الارز من قشره، وهي عملية لا تزال تنجز بالكامل يدوياً.
كما تجعل المحظورات الاجتماعية العمل أكثر صعوبة، ففي أثناء زيارات ميدانية لما يقارب مئة أسرة، وجدت بيديا بوديل تشيتري، وهي باحثة في المركز الدولي للتنمية الجبلية المتكاملة، أن المعتقدات الثقافية في العديد من المجتمعات لا تزال تمنع النساء من استخدام الثيران لحراثة الأرض. وعندما يكون الرجال بعيدين، تضطر النساء إما إلى استئجار عمال من الرجال، مما يزيد من أعبائهن المالية، أو إلى حراثة التربة يدويًا. وأشارت تشيتري إلى أن المجهود البدني الشاق يسهم في حدوث مشكلات مزمنة في الظهر والمفاصل، بالإضافة إلى مشكلات في الصحة الإنجابية.
مع هجرة ملايين الرجال الشباب والقادرين على العمل من نيبال إلى الخارج بحثًا عن فرص العمل — إلى دول الخليج وكوريا الجنوبية وغيرها — بقيت ملايين النساء خلفهم في البلاد. وقد اتجهت كثيرات منهن إلى الزراعة، وأسهمن في الحفاظ على شريان الحياة الزراعي للبلاد. ومع ذلك، ما زلن يجدن أنفسهن على هامش عملية اتخاذ القرار. فلم يستجب واضعو السياسات بعد لهذا التحول، ولم يقدموا الإصلاحات الضرورية التي تعترف بالدور المتزايد للمرأة النيبالية في القطاع الزراعي.
وقالت أوبادهايا: «أعتقد أن الحكومة والبرامج الزراعية لم تدرك بعد أن الرجال لم يعودوا المزارعين الأساسيين في هذا البلد. بل النساء هنّ المزارعات الأساسيات». وتُعد الإصلاحات الأعمق المتعلقة بحقوق ملكية الأراضي، وسياسات العمل، والبرامج الزراعية والمناخية التي تركز على الأجناس، أمرًا ضروريًا لضمان تمكّن النساء من تولّي مكانتهن بشكل كامل في قلب النظم الغذائية في نيبال.
وقد بدأ تغير المناخ بالفعل يؤثر في المحاصيل الزراعية. وتقوم بيشنو مايا بزراعة الخردل والذرة والأرز والفاصولياء السوداء بالتناوب على قطعة أرض تبلغ مساحتها كاتين، في محاولة للحفاظ على إنتاجيتها. لكن الأرض أصبحت تنتج كميات أقل فأقل كل عام. وأصبحت الأمطار غير منتظمة، فتأتي أحيانًا على شكل هطولات غزيرة وعنيفة، أو لا تهطل على الإطلاق، مما أجبرها على التخلي عن محاصيل حساسة للطقس، مثل الطماطم والفلفل الحار. كما بدأت آفات غير مألوفة وحلزونات ضخمة في التهام المحصول المتناقص. وأصبحت مضطرة إلى الاعتماد على المبيدات الكيميائية التي لم يكن جدها يستخدمها مطلقاً. وعلى الرغم من زيادة حجم العمل الذي تبذله، فإن ارتفاع التكاليف وانخفاض المحاصيل أدّيا إلى انخفاض دخلها الشهري بشكل حاد، من 20,000 روبية نيبالية، أي ما يعادل تقريبًا قبل خمس أو ست سنوات، إلى بالكاد 10,000 روبية نيبالية، أي نحو 65 دولارًا أمريكيًا.
تاريخيًا، كانت الزراعة من أهم المساهمين في اقتصاد نيبال، إذ شكّلت نحو 31 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عام 2013. وفي عام 2025، توقعت المسح الاقتصادي لنيبال أن تسهم الزراعة بما يزيد قليلًا على 25 بالمئة من الناتج الاقتصادي. وبينما كان ما يقارب 40 بالمئة من القوى العاملة في نيبال يعملون في الزراعة عام 1991، انخفضت هذه النسبة إلى ما يزيد قليلًا على 22 بالمئة في عام 2025، وذلك بسبب انخفاض الأجور، وعدم الاستقرار الذي يرجع جزء منه إلى تغير المناخ، ونقص الفرص الاقتصادية، مما دفع المزيد من الناس إلى الهجرة إلى الخارج بحثًا عن العمل. وقد تجاوز عدد الأشخاص الذين غادروا البلاد عبر القنوات الرسمية 800 ألف شخص في العام الماضي، بينما غادر عدد أكبر بكثير عبر طرق غير رسمية. وأصبحت التحويلات المالية تشكل الآن أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي لنيبال، في حين تقلصت المساحة الإجمالية للأراضي المستخدمة في الزراعة بنحو 300 ألف هكتار.
وفي بعض المناطق الواقعة في التلال الوسطى، تُرك ما يقارب نصف الأراضي الصالحة للزراعة دون استغلال. ويضاف إلى ذلك تزايد المنافسة من الواردات الرخيصة. وبالنسبة إلى المجتمعات الأصلية مثل مجتمع تشيبانغ (Chepang)، الذي تنتمي إليه بيشنو مايا، فإن تأثير ذلك واضح؛ فبعد أن كان هذا المجتمع معروفًا بإنتاج الخردل، أصبح أفراده يشاهدون نيبال تستورد كميات متزايدة منه من الخارج.
وتتحمل النساء العبء الأكبر بطرق عديدة. فإلى جانب أعبائهن المتزايدة في العمل والأعباء المالية، فإنهن أكثر عرضة أيضًا للوفاة في الكوارث، ويرجع ذلك جزئيًا إلى هجرة الرجال إلى الخارج، وكذلك إلى محدودية وصول النساء إلى المعلومات. وقبل نحو عقد من الزمن، تسببت انهيارات أرضية ناجمة عن هطول أمطار غزيرة في تدمير منزل كوماري، مما أجبرها هي ونحو 200 أسرة أخرى على الانتقال من الجبل الذي كانوا يعيشون فيه إلى أرض مستوية.
ومع ذلك، لا تزال المخاطر قائمة. فالأراضي الجديدة الواقعة على ضفة النهر، والتي خُصصت لكوماري وجيرانها بعد انتقالهم، أصبحت مهددة بارتفاع منسوب المياه. وتحيط بالأراضي الضيقة أشجار شاهقة يُمنع السكان من قطعها بموجب قوانين الغابات الصارمة. وعندما تهب العواصف وتشتد الرياح، يبقى الخوف من سقوط الأغصان مصدر قلق يُبقي العائلات مستيقظة طوال الليل.
لا تزال عملية الإنذار المبكر هنا تعتمد إلى حد كبير على الحدس والخبرة الشخصية. فكوماري وجارتها تراقبان الغيوم بالطريقة التي علّمهما بها والداهما. لكن هذه المعرفة القديمة بدأت تضعف. فالشتاء أصبح أكثر دفئًا، كما تغيّر توقيت هطول الأمطار. فالذرة التي كانت تحتاج في السابق إلى ثلاثة أشهر حتى تنضج أصبحت تنضج الآن خلال شهرين فقط، مما يؤدي إلى انخفاض كمية المحصول. وفي منطقة سوركيت غرب نيبال، امتد موسم الرياح الموسمية من شهرين إلى أربعة أشهر. أما الطريق الوحيد الذي يربط مستوطنة كوماري الجديدة بالمدرسة الابتدائية القريبة، ينهار جزء منه أكثر مع كل موسم للأمطار، وقد ابتلع النهر بالفعل قطعة من الأرض بحجم ملعب كرة قدم.
وفي ظل هذا الوضع غير المستقر، بدأ بعض الناس يعتمدون على هواتفهم للحصول على إجابات. وليلا خادكا واحدة منهم. فقد أدت زيادة هجرة العمال إلى الخارج إلى وصول الهواتف الذكية إلى أكثر المناطق النائية في نيبال. وغالبًا ما يكون أول شيء يفعله العامل المهاجر بأمواله الجديدة هو ارسال هاتف إلى عائلته في المنزل، أو إرسال المال لشراء هاتف، حتى يبقى على تواصل مع أقاربه.
تستخدم ليلا هاتفها للتحدث مع زوجها وتصفح تطبيق تيك توك، لكنها تستخدمه أيضًا من أجل حماية مصدر رزقها. فمن خلال جيو كريشيi، وهي منصة رقمية تقدم الإرشادات الزراعية، تتحقق من توقعات الطقس وترسل صورًا للفطريات الغريبة إلى خبراء الزراعة، الذين يخبرونها بما يجب أن ترشه وكيف يمكنها إنقاذ محصولها.
وقبل بضع سنوات، أصبحت مدرّبة محلية من خلال برنامج أطلقته الحكومة. فقد تلقت تدريبًا على الممارسات الرقمية والمستدامة، وشاركت هذه المعرفة مع مزارعين آخرين. كما يشكل أشخاص مثلها حلقة مهمة لنقل المعلومات في القرى، حيث يطرقون أبواب الناس أو يتصلون بهم عبر الهواتف لإبلاغ الأشخاص الذين لا يمتلكون هواتف ذكية عن الأمطار الغزيرة المتوقعة أو حالات الجفاف الشديدة.
وفي جميع أنحاء نيبال، بدأت تطبيقات الإرشاد الزراعي مثل جيو كريشي وسمارت كريشي و نارك كريش وغيرهم الكثير، تجذب عددًا متزايدًا من المستخدمين. وقد لاحظ باحثون من معهد جنوب آسيا للدراسات المتقدمة سايَس (SIAS) في كاتماندو زيادة تدريجية في استخدام هذه التطبيقات.
وقالت أوبادهايا، التي شاركت في البحث الذي أجراه معهد سايَس SIAS ، إنها تفاجأت «بمدى قدرة سكان المناطق الريفية في نيبال على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة». وذكرت امرأة تستخدم تطبيقات مكالمات الفيديو للتفاوض مع البائعين في أقرب مدينة، وتتلقى الطلبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وترتب عمليات التوصيل دون الحاجة إلى قضاء ساعات في الحافلات.
ومع ذلك، فإن فوائد هذا النوع من الزراعة المعتمدة على المهارات الرقمية لا تزال موزعة بشكل غير متساوٍ. فالعوائق الهيكلية، مثل الأمية ومحدودية امتلاك الهواتف الذكية، لا تزال تجعل هذه التكنولوجيا في متناول عدد قليل نسبيًا من الناس. ووفقًا لمسح أجرته SIAS سايس ، فإن أكثر من 45 بالمئة من النساء المشاركات لم يكنّ قادرات على القراءة أو الكتابة، وأقل من نصفهن كنّ يمتلكن هاتفًا ذكيًا. ولم تكن سوى 3.5 بالمئة منهن مستخدمات منتظمات لتطبيقات الزراعة، بينما كانت أكثر من ثلثهن لا يدركن وجود هذه التطبيقات أصلًا.
وتواجه العديد من النساء صعوبة في استخدام هذه التطبيقات. فقد وجدت غاوماتي غارتي، البالغة من العمر 45 عامًا، أن الكتابة الصغيرة على شاشة هاتفها تبدو ضبابية وغير واضحة. وفي حين عاد زوجها من الهند ليبدأ مزرعة عضوية متواضعة، ويجري بانتظام أبحاثًا عبر الإنترنت لمساعدته في زراعة المحاصيل، تجد غاوماتي صعوبة في الوصول إلى هذا المصدر الرقمي نفسه. فالمصطلحات التقنية المستخدمة في التطبيق تبدو غريبة عنها؛ حتى المصطلح المستخدم لكلمة "الرطوبة" يختلف عن الكلمة التي تستخدمها في حديثها اليومي.
وقالت ضاحكةً: "فيسبوك كله صور، وتيك توك مجرد تمرير للمقاطع." وكانت تقصد أن مقاطع الفيديو القصيرة والصور أكثر سهولة وفهمًا بالنسبة لها من المنصات الزراعية التي تعتمد بشكل كبير على النصوص.ولدى جيو كريشي الآن أكثر من 200 ألف مستخدم مسجل في جميع أنحاء نيبال. ولا تزال اللغة تشكل عائقًا رئيسيًا أمام استخدام هذه المنصات. فعلى الرغم من أن معظم النيباليين يفهمون اللغة الوطنية، فإن كثيرين منهم يفتقرون إلى الثقة في استخدامها ضمن سياق تقني. وأشار بيكاش دانغول، المدير المالي لشركة جيو كريشي، إلى أن التفاعل في منطقة تيراي الشرقية يرتفع بشكل ملحوظ عندما تُعقد الجلسات باللغة المحلية الميثيلية (Maithili). لكن الردود في التطبيق غالبًا ما تكون مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما أن جزءًا كبيرًا من واجهة التطبيق لا يزال يعمل أساسًا باللغة النيبالية الرسمية، مما يترك المتحدثين باللغات المحلية ــ التي يزيد عددها في نيبال عن مئة لغة ــ على هامش الاستفادة من هذه التكنولوجيا.
وتُعد الزراعة الرقمية وسيلة مساعدة جديدة، لكنها لا تزال متأثرة بدرجة كبيرة بالأنظمة الاجتماعية القائمة. ففي داخل المنازل، تحدد علاقات القوة أيضًا من يستفيد فعليًا من هذه التكنولوجيا. ففي العديد من الأسر التي تعاني من ضائقة مالية، تكون الهواتف الذكية مملوكة فعليًا لوالد الزوج أو الزوج أو الابن الأكبر. وقد لا يُسمح للمرأة باستخدام الهاتف إلا في وقت متأخر من الليل، بعد أن يذهب الآخرون إلى النوم.
ويظهر نمط مشابه فيما يتعلق بالمال. ففي التعاونات النسائية بالكامل التي تعمل معها جيوكريشي ، تناقش النساء البذور والأسمدة وأسعار السوق. ويجلسن معًا للاستماع إلى النصائح الصوتية التي يقدمها الخبراء. ولكن عندما يتعلق الأمر باتخاذ إجراء فعلي، مثل شراء نوع جديد من البذور أو تغيير طريقة استخدام الأسمدة، فإن الكلمة الأخيرة غالبًا ما تكون لشخص غير موجود في الغرفة. وتكرر النساء قولهن: "عليّ أولًا أن أستأذن رجال المنزل."
بالنسبة إلى النساء العازبات والأرامل اللواتي تعمل معهن مؤسسة توو كي ، فإن عدم امتلاكهن سندات ملكية للأراضي يشكل عائقًا أكبر من عدم توفر إشارة الجيل الخامس (5G). ففي نيبال، لا تزال الأراضي والمنازل مملوكة في الغالب للرجال. وتاريخيًا، كان أول قانون مدني في نيبال، المعروف باسم مُلوكي آين (القانون الوطني) ، يسمح للبنات والأرامل بوراثة الممتلكات فقط في ظروف محدودة، مما عزز ممارسة انتقال أراضي الأسرة الموروثة عبر خط الذكور فقط. وعلى الرغم من أن الإصلاحات القانونية، التي انتهت بتعديلات عام 2002 ثم صدور قانون مدني جديد عام 2017، تمنح الآن البنات والأبناء حقوقًا متساوية في الميراث، فإن العديد من الأسر لا تزال تفضّل الأبناء عندما يتعلق الأمر بملكية الأراضي، بسبب المقاومة الاجتماعية وضعف تطبيق القوانين. وحتى عام 2025، كان الرجال يمثلون 61 بالمئة من إجمالي تسجيلات الأراضي، بينما ظلت النساء أقلية بشكل واضح، رغم وجود تخفيض في رسوم تسجيل الأراضي للنساء.
ومن دون امتلاك أراضٍ بأسمائهن، تظل النساء "مزارعات غير مرئيات"، أي أنهن لا يحصلن على الأهلية للاستفادة من العديد من الإعانات الحكومية، أو القروض المصرفية الرسمية، أو منتجات التأمين الرقمية. وقالت شيلا سين ثاكوري، المديرة التنفيذية لمؤسسة توو كي ، إن هذه الحالة من عدم الاعتراف بالملكية تؤثر أيضًا في الجانب النفسي. فإذا كانت المرأة لا تملك قانونيًا الأرض التي تزرعها، فإنها تصبح أكثر ترددًا في الاستثمار في الاحتياجات طويلة الأجل، مثل الأدوات والبنية التحتية.
وحتى عندما تقدم الحكومات المحلية برامج دعم تبدو سخية، مثل تقديم إعانات تغطي 50 بالمئة من تكلفة الآلات الزراعية، فإن التكلفة المتبقية قد تكون مرتفعة جدًا بالنسبة إلى النساء المهمشات. وفي الواقع، يكون المزارعون الرجال الذين يتمتعون بعلاقات قوية والنخب المحلية أكثر استفادة من هذه الحوافز.
وتشير دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة آفاق النظم الغذائية المستدامة إلى أن المزارعين الرجال في نيبال لا يزالون المستفيدين الأساسيين من خدمات الإرشاد الزراعي ومؤسسات الائتمان. كما أن نقص الضمانات المالية يجعل النساء أكثر حذرًا من المخاطرة. وفي أوقات الجفاف الشديد، أشارت أوبادهيايا إلى أن الرجال يكونون أيضًا أكثر قدرة على الحصول على إعانات لشراء المضخات أو إنشاء صنابير المياه، بينما غالبًا ما تُترك النساء من دون موارد، ويصبحن أكثر عرضة للخطر مع اشتداد آثار تغير المناخ.
وترى أوبادهيايا أن التحول الرقمي يمثل فرصة يمكن أن تسير في اتجاهين. وقالت: "بسبب طريقة تصميم الهواتف المحمولة، لا يتعين عليك في الواقع أن تكون متعلمًا حتى تتمكن من استخدام تيك توك أو فيسبوك. وهذا يمكن أن يفتح إمكانات وبدائل حقيقية أمام النساء المزارعات." لكنها أضافت: "أو يمكن ببساطة أن يعيد إنتاج الفوارق بين الجنسين الموجودة لدينا بالفعل في العالم الحقيقي داخل العالم الرقمي."
لكن لا يمكن لأي من هذه الحلول أن يحل محل الإصلاحات الأعمق، مثل ضمان حقوق آمنة في ملكية الأراضي، ووضع سياسات عمل عادلة، وتحسين القدرة على تحمل تكاليف التكنولوجيا وإمكانية الوصول إليها، ووضع برامج للمناخ والزراعة تتعامل مع النساء باعتبارهن عناصر أساسية في النظام الغذائي في نيبال.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت أعداد متزايدة من العمال المهاجرين بالعودة إلى نيبال بسبب ظروف العمل التي تهدد حياتهم وتأثير جائحة كوفيد-19 (كورونا). وقد أبدى كثير منهم اهتمامًا بإعادة الاندماج في المجتمع من خلال العمل الزراعي. وهذا جعل سد الفجوتين، الجندرية والرقمية، أمرًا ملحًا بشكل خاص. وإلا، مع عودة الرجال إلى الأراضي الزراعية، فقد تُدفع النساء اللواتي حافظن على استمرار المزارع خلال سنوات من المشقة وعدم اليقين مرة أخرى إلى الظل.
أُنتجت هذه القصة بدعم من زمالة آسيا والمحيط الهادئ للإعلام التابعة لمنتدى النساء والقانون والتنمية، حول الرقمنة والحقوق والعدالة الرقمية النسوية.
أنِيتا تشانغ صحفية مستقلة مكرسة لاستكشاف الجوانب الأخلاقية المتقدمة للتكنولوجيا. وتركز تقاريرها على قضايا العدالة الاجتماعية واستراتيجيات التخفيف من آثار تغير المناخ التي تشكل مستقبل جنوب آسيا وشرقها.
