إن التدخل العسكري الأميركي ضد فنزويلا، والذي تُوِّج باختطاف نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026، لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل جرى الإعداد له منذ زمن طويل. ففي مقال نُشر في مجلةCarta Capital في فبراير/شباط 2019 بعنوان "دونالد ترامب، نهاية العولمة، وأزمة فنزويلا"، جادلتُ بأن الرئيس الأميركي آنذاك تحدث بقدر غير مألوف من الصراحة عن الأهداف الحقيقية للإمبريالية الأميركية: لا الدفاع عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ولا حتى احترام المعاهدات الدولية (الانتقائي) التي صاغتها الأيديولوجيا الليبرالية، بل السيطرة على الموارد ذات القيمة الاستراتيجية والاقتصادية. حتى في ذلك الوقت، انتقد ترامب أسلافه علناً لأنهم لم "يأخذوا النفط" من فنزويلا أو العراق، أو المعادن النادرة من أفغانستان، مبيّناً منطقاً افتراسياً طالما أخفاه الخطاب الليبرالي التقليدي.
في يناير 2013، كتب ترامب في تغريدة على منصة تويتر: "ما زلت لا أصدق أننا غادرنا العراق من دون النفط". وفي مناظرة مع بهيلاري كلينتون في سبتمبر 2016، اقترح العودة إلى منطق القرن التاسع عشر، قائلًا: "جرت العادة أن تؤول الغنائم إلى المنتصر. أمّا اليوم فلم يعد هناك منتصر... لكنني كنت دائمًا أقول: خذوا النفط."
وخلال رئاسته، ضغط ترامب مرتين على الرئيس العراقي للتنازل عن مزيد من النفط بهدف تعويض تكاليف الحرب. ويُروى أن مستشاره السابق للأمن القومي، هربرت ماكماستر، وبّخه في المرة الثانية قائلًا :" هذا يسيء إلى سمعة أمريكا، ويخيف حلفاءنا، ويجعلنا نبدو كمجرمين ولصوص. "وفي يناير 2019، صرّح نائب الرئيس مايك بنس بأن ترامب "ليس من محبّي" التدخلات الخارجية، باستثناء "هذا النصف من الكرة الأرضية"، (ما يعرف ب "الفناء الخلفي").
كانت هذه مؤشرات مبكرة على ما عُرف لاحقًا باسم "مبدأ دونرو". ففي يناير 2019 أيضًا، أفاد مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون بأن "الولايات المتحدة تجري محادثات مع كبرى شركات النفط الأمريكية... وأن فنزويلا واحدة من ثلاث دول أُطلق عليها اسم "ثلاثي الطغيان، إلى جانب نيكاراغوا وكوبا. وأضاف أن ذلك "سيُحدث فرقًا اقتصاديًا كبيرًا للولايات المتحدة إذا تمكّنا من دفع شركات النفط الأمريكية إلى الإنتاج والاستثمار فعليًا في قطاع النفط الفنزويلي. "
وفي أبريل 2025، خلال اجتماع لمنظمة " منظمة المعضلات الرابعة الإنسانية: آفاق التحول الاجتماعي"، الذي عُقد بساو باولو بتنظيم معهد تريكونتينونتال للبحوث الاجتماعية، وحركة العمال عديمي الأراضي (MST)، والجمعية الدولية للشعوب (IPA)، جادلت بأن ترامب سيختار فنزويلا كأول هدف عسكري له فيما يعرف بـ نصف الكرة الغربي، فيما سيكون أول تدخل عسكري مباشر في أمريكا الجنوبية في التاريخ. وتبرز القراءة ببساطة أن شن هجمات على كندا أو جرين لاند أمر محفوف بالمخاطر وصعب من ناحية الدفاع عنه دبلوماسيا. في المقابل، فنزويلا تقدم مبررات يمكن للقاعدة السياسية لحركة " ماغا" (MAGA) قبولها (وهي التهديدات المزعومة للهجرة الفنزويلية وتهريب المخدرات)، وفي الآن ذاته فإنها توفر احتياطات ضخمة من النفط والمعادن الحيوية من شأنها أن تعزز التنافس الأمريكي مع الصين في القطاع التكنولوجي.
في 4 ديسمبر 2025، نشرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي (NSS)، وترسخ هذه الوثيقة الاستراتيجية التي تنتهجها أمريكا في نصف الكرة الغربي، والتي تتمحور حول " تعزيز سلاسل الإمداد الحيوية… تقليل الاعتماد وزيادة المرونة الاقتصادية الأمريكية… مع جعل الامور أكثر صعوبة للمنافسين من خارج نصف الكرة الغربي الساعين لتعزيز نفوذهم في المنطقة". تمجد هذه الوثيقة ما أطلق عليه المحللون " الملحق الترامبي" لمبدأ مونرو، أو بسخرية أشد "مبدأ دونرو". وهي نسخة صريحة من مبدأ وحدة الأمريكيتين القائم على المعاملات والاكراه والذي يُخضع أمريكا اللاتينية لمقتضيات الولايات المتحدة في مجال الأمن وتراكم رأس المال.
في الواقع العملي، لا يمثل التدخل العسكري في فنزويلا دفاعا عن الديمقراطية ولا تدخلا إنسانياً، بل هو الإعلام الرسمي لنهاية "لعولمة" التي ربطت القوة العسكرية الأمريكية بالأيديولوجية الليبرالية للسيادة الوطنية كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، وكما سبق وأن حذرت من أنّ ذلك كان هدف ترامب منذ 2019. إنها نهاية "القرن الأمريكي" كما صوره وودرو ويلسن للعالم إبّان الحرب العالمية الأولى وأعاد فرانكلين ديلانو روزفلت صياغته خلال الحرب العالمية الثانية.
إن ما نشهده هو أمننة الموارد الاستراتيجية في سياق التنافس الصيني- الأمريكي، ومحاولة عادة هيكلة سلاسل الإنتاج الدولية وفقا لاعتبارات جيوسياسية. هذه سابقة خطيرة تضع مبدأ السيادة على المحك في كامل المنطقة، بدءا ب "الترويكا الجديدة"، أحجار الدومينو التالية المرشحة للسقوط بفعل القوة الإمبريالية الامريكية: كوبا ونيكاراغوا وكولومبيا.
لم يكن اختيار فنزويلا كأول هدف عسكري محض صدفة، بل جاء نتيجة تلاقٍ واضح بين الفرصة الجيو-اقتصادية والقابلية للتوظيف السياسي. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطات نفطية مؤكّدة في العالم، إلى جانب ثروات كبيرة من المعادن الحيوية اللازمة لإنتاج الطاقة النظيفة وتصنيع التقنيات الدفاعية. وقد شدّد ترامب مراراً على أهمية هذه الموارد، ومن ذلك ما صرّح به في مقابلة قال فيها إنه، بعد اختطاف مادورو، سيقوم "بإدارة فنزويلا".
وهذا القدر من الصراحة بشأن الأهداف المادية للإمبريالية الأمريكية يرتبط مباشرة باستراتيجية أوسع تقوم على التصنيع لدى الدول الصديقة (friendshoring) أو التقريب الجغرافي لسلاسل التوريد(nearshoring) ، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025. لا تكتفي هذه الوثيقة بالدعوة إلى تنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين، بل تسعى، ولو على المستوى الخطابي، إلى إعادة هيكلة منظّمة للشبكات الدولية ذات القيمة وفق معايير جيوسياسية. ومن هنا يتّضح الهدف المزدوج تجاه أمريكا اللاتينية. يتمثّل أولا في إحكام السيطرة الأمريكية على الموارد المعدنية الحيوية، مثل الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، وعلى البنى التحتية الاستراتيجية كالموانئ وشبكات الاتصال وأنظمة الطاقة. أمّا الهدف الثاني، فيكمن في دمج اقتصادات أمريكا اللاتينية في سلاسل تصنيع محصنة بالكامل ضد أي مشاركة أو نفوذ صيني.
ويجسّد الذي قدمته ماريا كورينا متشادو مع دونالد ترامب الابن هذه المسألة بوضوح، إذ عرضت - مقابل دعم تغيير النظام الذي يفضي إلى وصول مجموعتها إلى السلطة—أصولًا فنزويلية بقيمة 1.7 تريليون دولار لصالح الشركات الأميركية. هذا الإجراء المقترح لا يختلف في جوهره عن امتيازات النفط التي ميّزت الامبريالية الكلاسيكية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والتي مهدت لاندلاع حربين عالميتين.
وفيما يتعلّق بسلاسل الإمداد، تتجاوز الخطة الهاجس التقليدي المتعلّق باستخراج الموارد، لتطال إعادة ترتيب أنظمة الإنتاج الإقليمية. ففي القطاعات كثيفة العمالة وكثيفة استهلاك الطاقة أو منخفضة الكلفة، حيث لا يُعدّ التصنيع داخل الولايات المتحدة خيارًا واقعيًا، ستقترح واشنطن إنشاء روابط تصنيع داخل أمريكا اللاتينية ضمن سلاسل حسّاسة استراتيجيًا (أشباه الموصلات، البطاريات، المنتجات الدوائية، المواد المتقدمة). وسيجري ذلك ضمن أطر حوكمة صارمة تستبعد كليًا الاستثمار الصيني، والتكنولوجيا الصينية، أو حتى النفاذ إلى الأسواق الصينية. وتمثّل هذه المقاربة محاولة لتجزئة شبكات الإنتاج على أسس جيوسياسية، وإنشاء سلاسل إمداد موازية قائمة على الولاء الاستراتيجي. ولا يمكن فهم قرار الحكومة المكسيكية فرض رسوم جمركية في 1 يناير/كانون الثاني 2026 على مجموعة من المنتجات القادمة من الصين والبرازيل ودول أخرى لا تربطها اتفاقيات تجارة مع المكسيك، إلا في ضوء هذه الاستراتيجية.
كما أن البعد الرمزي لاختيار فنزويلا هدفًا للهجوم يستحق التوقف عنده. فالسردية التي تتبناها حركة "ماغا" (MAGA) تتطلب وجود أعداء يُقدَّمون على أنهم تهديد ل "أسلوب الحياة الأمريكي التقليدي". وتحقّق فنزويلا هذه الغاية بوضوح، كونها تُعرض كمصدر للهجرة غير المرغوب فيها وتهريب المخدرات في آن واحد، وهما هاجسان أساسيان لدى قاعدة ترامب السياسية. وعلى خلاف اجتياح كندا أو غرينلاند، الذي سيكون تبريره صعب التبرير في الداخل الأمريكي وقد يؤدي إلى أزمة داخل التحالف الغربي، فإن الهجوم على فنزويلا يثير تحيّزات عميقة الجذور، ويوفر أكباش فداء جاهزة للمشكلات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة.
إن السرديات الثلاث التي استُخدمت لتبرير التدخّل العسكري (الدفاع عن الديمقراطية، ومكافحة تهريب المخدّرات، والتدخّل الإنساني) تنهار أمام أدنى تمحيص، لتبدو مجرّد ذرائع لعملية تقودها مصالح الهيمنة الاقتصادية، مدعومة بالنفوذ السياسي والعسكري، وتهدف إلى ترسيخ هذه المصالح على المدى المتوسط.
وتبدو حجة الدفاع عن الديمقراطية واهيًة خصوصا حين تصدر عن ترامب. فحتى دون التطرّق إلى أحداث 6 يناير 2021، سخر ترامب نفسه مرارًا، وبشكل علني، من استخدام عبارة "الدفاع عن الديمقراطية" ذريعةً للتدخّلات الإمبريالية، واصفًا إياها بـالنفاق الليبرالي. في ديسمبر 2015، دافع ترامب عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلًا: "بلدنا أيضًا يودي بحياة الكثيرين… إن العالم في اللحظة الراهنة تطاله الحماقة، والكثير من القتل، والكثير من الغباء. وفي فبراير 2017، وبعد أن أصبح رئيساً، ردّ ترامب على تعليق بيل أورايلي الذي قال فيه "إن بوتين قاتل"، بقوله: "هناك الكثير من القتلة. هل تعتقد أن بلدنا بريء إلى هذا الحد؟" ويؤكّد سجله هذا الطابع الساخر للخطاب الديمقراطي. فهو يحافظ على تحالفات وثيقة مع ديكتاتوريات موالية، من الأنظمة الملكية المطلقة في الخليج الفارسي إلى المملكة العربية السعودية، كما قدّم دعمًا منقطع النظير لسياسات الانقلاب التي انتهجها جايير بولسونارو وحاشيته في البرازيل. فالمشكلة هنا لم تكن يومًا غياب الديمقراطية، بل عدم الاصطفاف مع واشنطن.
أما ذريعة مكافحة المخدّرات فهي بدورها محض افتراء. فقبل أيام قليلة من اجتياح فنزويلا، منح ترامب عفوًا رئاسيًا لخوان أورلاندو هيرنانديز، الرئيس السابق لهندوراس، الذي أُدين في الولايات المتحدة بالتآمر لتهريب المخدّرات على نطاق صناعي. وتُستخدم قضية تهريب المخدّرات سرديةً جاهزة لشيطنة الخصوم، لكنها تغدو واهية في حال كان المتّهم حليفًا استراتيجيًا. ولا يمكن أن يكون مبدأ الانتقائية أكثر وضوحاً.
أما المبرّر الإنساني، فهو الأكثر فجاجة من بين السرديات الثلاث. فالإدارة التي تقدّم دعمًا عسكريًا ودبلوماسيًا وسياسيًا غير مسبوق للإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة (حيث قُتل أكثر من 60 ألف مدني فلسطيني، من بينهم أكثر من 18 ألف طفل خلال بضعة أشهر)، لا تمتلك أي مصداقية أخلاقية للتعبير عن القلق تجاه الأوضاع الإنسانية في أي مكان في العالم. فضلًا عن ذلك، فإن الإجراءات العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا نفسها، من قصف طال البنية التحتية المدنية إلى حصار بحري حال لسنوات دون استيراد الغذاء والدواء، فاقمت بشكل مأساوي معاناة الشعب الفنزويلي التي يُفترض أن هذه السياسات جاءت لتخفيفها.
اتبعت سلسلة الأحداث التي أدّت إلى اختطاف مادورو سيناريو متوقّعًا من التصعيد القسري. فبعد أشهر من تشديد العقوبات الأحادية وتصاعد التهديدات العلنية، أمرت إدارة ترامب بفرض حصار بحري على فنزويلا. وربما لا يدرك ترامب أن الحصار البحري والتدخّل العسكري اللذين نفّذتهما بريطانيا وألمانيا وإيطاليا في فنزويلا سنة 1902 كانا سببًا مباشرًا في صدور "ملحق روزفلت” لمبدأ مونرو. وقد سعيتُ إلى إبراز هذه الحقيقة في دراسة أكاديمية مطوّلة حلّلتُ فيها الإمبريالية الأمريكية في أمريكا اللاتينية بين عامي 1898 و1933.
وكما فعل ترامب، ادّعى ثيودور روزفلت أن للولايات المتحدة حقًا حصريًا في التصرّف بوصفها "شرطي" نصف الكرة الغربي، ليُعلن على الملأ عزمه طرد الإمبراطوريات العسكرية والمالية من أمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي. وأعاد ترامب إلى الأذهان نمط التدخّل السائد في مطلع القرن العشرين، المعروف بـ"دبلوماسية الدولار"، حين نسّق بين القوات الخاصة ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) من جهة، وقطاعات المعارضة الداخلية والمنشقّين العسكريين من جهة أخرى، لتنتهي العملية باختطاف غير قانوني للرئيس الفنزويلي يوم 3 يناير 2026.
وكانت تصريحات ترامب اللاحقة فَجةً، إذ قال إن الولايات المتحدة "ستدير البلاد" وستستخدم عائدات النفط في "سداد تكاليف العملية العسكرية وإعادة بناء فنزويلا كما يجب أن تكون”. ولا يترك ذلك مجالًا للشك في أن الهدف يتمثّل في التحكّم المباشر في الموارد الاستراتيجية، وإعادة تشكيل الدولة الفنزويلية بما يخدم المصالح الإمبريالية.
أما التداعيات الإقليمية لهذه الخطوة، فهي عميقة وخطيرة. وعلى الأرجح، تمثّل كوبا ونيكاراغوا وكولومبيا الأهداف التالية. فقد سبق لترامب أن هدّد هذه الدول، وتُظهر سابقة فنزويلا أن مثل هذه التهديدات ليست مجرّد خطاب سياسي عقيم. وقد تكون أيام النظام الشيوعي في كوبا، المعزول منذ عقود بفعل الحصار والمنهك مؤخرًا جرّاء أزمات الطاقة، معدودة. كما قد يدفع غوستافو بيترو ثمن تصريحاته في نيويورك، باعتباره حلقة أساسية في سلسلة الدومينو لقوى اليسار في أمريكا اللاتينية التي يسعى ترامب إلى إسقاطها.
وتعيش المكسيك والبرازيل، وحتى قوى غربية مثل الدنمارك (بسبب غرينلاند) وكندا، على صفيح ساخن. ولم يعد ممكنًا التقليل من شأن تهديدات ترامب لغرينلاند بوصفها مجرّد استفزازات.
وبطبيعة الحال، لا تتعامل أمريكا اللاتينية مع الإكراه الإمبريالي بصورة موحّدة. فالأرجنتين، تحت حكم خافيير ميلي، تقدّم مثالًا مضادًا لافتًا، إذ تُوّج توافقها الإيديولوجي والاستراتيجي الكامل مع واشنطن بحزمة إنقاذ بلغت 40 مليار دولار أمريكي. ويؤكّد هذا النمط القائم على المكافأة والعقاب طبيعة الاستراتيجية الجديدة في نصف الكرة الغربي، القائمة على المعاملات، أي أن الدول التي تقبل التبعية لواشنطن تتلقّى الدعم المالي، أمّا الدول التي تُبدي رفضًا أو مقاومة، فتواجه سياسة إكراه على مستويات متصاعدة.
ومع ذلك، تُظهر المقاومة الاكوادورية لوجود قواعد عسكرية أجنبية، والتي اُقرّت في استفتاء شعبي في نوفمبر 2025، أن فرض واشنطن لإرادتها يواجه عقبات حتى في الدول الأصغر نسبيًا. غير أن اجتياح فنزويلا يرفع كلفة المقاومة إلى مستوى غير مسبوق، ويكرّس حقيقة أن الولايات المتحدة مستعدّة لاستخدام القوة العسكرية مباشرة متى رأت أن مصالحها مهدّدة بما يكفي.
تواجه الاستراتيجية "الترامبية"، الرامية إلى إخضاع نصف الكرة الغربي عبر الابتزاز برفع الرسوم الجمركية والتهديد باستخدام القوة العسكرية، حدودًا هيكلية واضحة. ويجسّد النموذج البرازيلي بوضوح هذه التناقضات على نحو خاص.
فقد رضخت أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية سريعًا لمطالب ترامب التجارية، نظرًا لاعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي، أي أنها اُجبرت على "دفع الجزية للحفاظ على استقرار الإمبراطورية الأمريكية". أمّا البرازيل، فقد نجحت نسبيًا في الحفاظ على قدر من المقاومة. ويعود هذا الصمود إلى مزايا هيكلية محدّدة. فقد عزّزت الصين مكانتها بوصفها الشريك التجاري الرئيسي للبرازيل لأكثر من عقد، مستوعبةً حصة كبيرة من صادرات السلع الأساسية. ونتيجة لذلك، راكمت البرازيل احتياطات دولية ضخمة تتيح لها هامشًا للمناورة في أوقات أزمات العملة. إضافة إلى ذلك، حرصت الدبلوماسية البرازيلية على تطوير علاقات بديلة عبر مجموعة "بريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا)، وغيرها من المنصّات متعددة الأطراف في الجنوب العالمي.
تُشكّل حملة لولا دا سيلفا من أجل التخلّي عن الدولار، والتي اشتدّت بعد زيارته إلى الصين في أبريل 2023، تحدّيًا مباشرًا للنواة الأساسية للقوة الأمريكية، وهي السيطرة على النظام النقدي الدولي. فالمقترحات المتعلقة بتسوية المبادلات التجارية ومعاملات الصرف الأجنبي ثنائيًا بالعملات الوطنية، والمحادثات حول إنشاء عملة مشتركة لمجموعة "بريكس"، وتنويع الاحتياطات الدولية، جميعها تُبعد النشاط الاقتصادي تدريجيًا عن نيويورك، وتُضعف قدرة واشنطن على استخدام العقوبات المالية سلاحًا جيوسياسيًا.
وقد أثارت درجة الاستقلال النسبي التي تتمتع بها البرازيل انزعاجًا واضحًا في واشنطن. فقد كشف مستشارو ترامب علنًا أن الولايات المتحدة "قلقة جدًا" إيزاء تحالف "بريكس" ومن مسار التخلي عن الدولار، واعتبروا البرازيل مشكلة خاصة. غير أن محاولة إخضاع البرازيل عبر فرض رسوم جمركية عقابية اصطدمت بقيد بسيط، وهو أن السوق الأمريكية، رغم أهميتها، لم تعد حاسمة للاقتصاد البرازيلي كما كانت في العقود السابقة. صحيح أن نفاذ البرازيل إلى وول ستريت لا يزال ضروريًا، لكن تقويضه بوصفه أداة ضغط من شأنه أن يسرّع ما يسعى ترامب إلى تفاديه، أي دفع البرازيل خارج عالم الدولار ونحو"بريكس".
غير أن الحدود الأعمق لما يُسمّى "مبدأ دونرو" تتجاوز أي دولة بعينها. فالاحتلالات العسكرية الطويلة مكلفة إلى حدّ لا يُحتمل، كما أظهرت تجربتا العراق وأفغانستان. وتشير استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى أن 55 بالمائة من السكان عارضوا غزو فنزويلا، ما يوحي بأن أي مغامرات عسكرية إضافية ستواجه مقاومة داخلية متزايدة، خاصة إذا أسفرت عن خسائر بشرية أمريكية كبيرة أو أعباء مالية مرتفعة.
والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة عاجزة عن تقديم مقترحات تنموية تضاهي ما تعرضه الصين. ففي حين تقوم استراتيجية واشنطن على ربط النفاذ إلى السوق الاستهلاكية بالخضوع السياسي، واستخدام العقوبات الأحادية أداةً للعقاب، تقدّم بكين مشاريع بنى تحتية ملموسة، وتمويلًا طويل الأجل بصبر استثماري، ونقلًا للتكنولوجيا، وأسواقًا موسعة، وكل ذلك من دون اشتراطات سياسية مُرهِقة. ويخلق عدم التناسق في العروض التنموية أفضلية هيكلية للصين لا تستطيع الرسوم الجمركية العقابية ولا التهديدات العسكرية تحييدها بالكامل.
ولا ينبغي أيضًا الاستهانة بمخاطر الارتداد الجيوسياسي. فكل إجراء إكراهي أمريكي يعزّز السردية الصينية القائلة إن واشنطن تهدّد سيادة دول الجنوب العالمي، ويدفع هذه الدول إلى البحث عن الحماية من خلال اصطفافها مع بكين. ويقدّم اجتياح فنزويلا دليلًا على صحة هذا الطرح، وقد يسرّع تشكيل كتل وتحالفات مع الصين، على عكس ما تدّعي استراتيجية ترامب أنها تسعى إلى منعه.
يمثّل التدخّل العسكري الأمريكي في فنزويلا واختطاف نيكولاس مادورو انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة. وبغضّ النظر عن أي تقييم للحكومة الفنزويلية، فإن مبدأ عدم التدخّل العسكري الأحادي يُعدّ إنجازًا حضاريًا أساسيًا جرى التحضير له منذ عام 1648 (صلح وستفاليا)، ولا يمكن التخلي عنه من دون عواقب وخيمة على النظام الدولي.
إن السابقة التي اُرسيت بالغة الخطورة. فإذا كان بإمكان الولايات المتحدة غزو دولة ذات سيادة، وإسقاط حكومتها، والسيطرة المباشرة على مواردها الطبيعية استنادًا إلى تبريرات زائفة على هذا النحو الفجّ، فلن تكون أي دولة في مأمن ما لم تمتلك قوة ردع عسكرية أو تحالفات عسكرية قوية. إن تطبيع التدخّلات العسكرية الأحادية يقوّض أي ادّعاء بوجود نظام دولي قائم على المبادئ. لقد تبيّن أن الإمبراطور بلا ثياب (كُشفت حقيقة جلية سبق وتغاضى عنها الجميع).
وعليه، قد تكشف هذه المغامرة العسكرية عن ضعف أكثر مما تكشف عن قوة. فالقوة المهيمنة الواثقة بتفوّقها الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي لا تحتاج إلى اجتياحات عسكرية لضمان الوصول إلى الموارد أو الأسواق. إن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة المباشرة يعكس تآكل أشكال الهيمنة الأكثر نعومة.
ولا يؤدّي اختطاف مادورو إلى إنهاء هيمنة "التشافيزية" في فنزويلا، وإن كان يُضعفها. كما أنه لا يحلّ التناقضات الهيكلية لانحدار الهيمنة الأمريكية. فالولايات المتحدة لا تستطيع تقديم نموذج تنموي جذّاب قادر على منافسة البديل الصيني، ولا تمتلك القدرة المالية لتمويل "خطة مارشال” على مستوى نصف الكرة الغربي، ولا يمكنها عكس عقود من التخلي عن التصنيع الداخلي عبر فرض رسوم جمركية عقابية على الحلفاء. وحتى إذا أمكن فرض سيطرة عسكرية مباشرة على فنزويلا، بما يضمن الاستحواذ على نفطها، فإن ذلك لا يعيد للولايات المتحدة موقعها المركزي في سلاسل الإنتاج العالمية.
توجد بدائل للتبعية، لكنها تتطلّب تنسيقًا سياسيًا وشجاعة استراتيجية من حكومات الجنوب العالمي. فتعزيز المنصّات الإقليمية مثل مجتمع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي(CELAC) ، واتحاد دول أمريكا الجنوبية(UNASUR) ، وبريكس، يوفّر حيّزًا مؤسسيًا للمقاومة الجماعية. كما أن تعميق التكامل الاقتصادي بين دول الجنوب يقلّل من قابلية التعرّض للإكراه الاقتصادي الأمريكي، ويُسهم تنويع الاحتياطات الدولية وتطوير أنظمة دفع بديلة تُقوض قوة العقوبات المالية.
والدرس الجوهري من اجتياح فنزويلا هو أن السيادة المعزولة هشّة، وأن التنسيق الجماعي وحده قادر على الإخلال بتوازن القوة الإمبريالية. ويتمثّل التحدّي أمام الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية والجنوب العالمي في تحويل الإدانة الخطابية إلى تعاون فعلي. لقد جرت السابقة، وما هو على المحك تاريخي بامتياز، فالخطوات القادمة ستحدّد ما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيشهد عودة الإمبريالية العسكرية الوحشية، أم ترسيخ نظام دولي متعدّد الأقطاب بحق.
