تلقي السماء الرمادية ضوءًا شاحبًا على مدخل قرية قلنديا الفلسطينية شمال القدس. يبدو الشارع الوعر عند الدوار مثل موقع حضري مهجور، ويقبع برج مراقبة إسرائيلي على مسافة بعيدة، ويشق جدار الفصل الإسرائيلي المشهد عبر تلة قريبة. تسرع بضع سيارات مغادرةً الدوار باتجاه رام الله، وعلى أحد الجوانب تنتصب قنطرة قديمة كُتب عليها: "مرحبًا بكم في قلنديا".
يختلف المشهد داخل القرية تمامًا؛ إذ تنتشر حدائق خضراء، وأشجار زيتون، ومقطورات زراعية متوقفة حول منازل حجرية تفصل بينها شوارع ضيقة وهادئة. يقف رجل أمام كومة من الركام، مستقبلًا الزوار قائلًا: "أهلاً بكم فيما كان منزلي يومًا"
يسير سامر حمدية، وهو عامل بناء في منتصف العمر، فوق أطلال المنزل الذي أمضى سنوات طويلة في ادخار المال لبنائه، والذي كان يعيش فيه مع زوجته وأطفاله الستة حتى وقت قريب. هدمت القوات الإسرائيلية المنزل في ديسمبر الماضي، ضمن موجة متصاعدة من هدم منازل الفلسطينيين تقودها إسرائيل في الضفة الغربية.
تُعامل إسرائيل قرية قلنديا، المجاورة لجدار الفصل العنصري، على أنها جزء من القدس التي ضمّتها. ولذلك كانت هدفًا لعمليات الهدم خلال السنوات القليلة الماضية، إذ هُدم نحو 30 منزلاً في قلنديا خلال ليلة واحدة عام 2016. ومنذ ذلك الحين، تصدر السلطات الإسرائيلية دوريًا أوامر هدم لمزيد من العائلات في القرية.
وفقاً لجمال جمعة، منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان (Stop The Wall)، تُعد منطقة شمال القدس "جزءًا محوريًا من الخطط الاستيطانية الإسرائيلية حول القدس، وقد أحاطت بالمدينة من جميع الجهات، وبالتالي عزلتها عن بقية مناطق الضفة الغربية".
ولا يفصل الجزء الذي ضمّته إسرائيل من القدس عن الضفة الغربية سوى الجدار داخل قلنديا. كما أعدت إسرائيل خططًا لتغيير هذا الواقع. ويوضح جمعة: "منذ عام 2009، أعلنت إسرائيل عن خطط لبناء مستوطنة للإسرائيليين الأرثوذكس المتدينين على أراضي قلنديا، وتحديدًا المكان الذي كان يضم مطار القدس قبل الاحتلال. ولتحقيق ذلك، يلزم إنشاء منطقة عازلة لتشل نمو المجتمعات الفلسطينية المجاورة مثل قلنديا".
ومع ذلك، لا تقتصر سياسة هدم المنازل على شمال القدس فحسب؛ ففي منتصف فبراير، أفاد مركز القدس للمساعدة القانونية (JLAC) أن إسرائيل هدمت 300 منشأة فلسطينية في الضفة الغربية خلال الشهر ونصف الأول من عام 2026. كما ذكرت صحيفة "هآرتس" (Haaretz) أن موجة الهدم الإسرائيلية كانت "تمهد الطريق" للتوسع الاستيطاني، في حين حذرت الأمم المتحدة من أن عملية "نزع الهوية الفلسطينية" عن القدس غير قابلة للعكس، محذّرة من أن الإبادة الجماعية في غزة قد "تمتد إلى الضفة الغربية".
ويضيف جمعة أن الامتناع عن إصدار تصاريح بناء يُجبِر الفلسطينيين على بناء منازلهم بدونها، ما يجعلها عرضة للهدم لاحقًا. ويؤكد: "هذا يعطل أي خطط مستقبلية للفلسطينيين في المنطقة، مما يدفعهم للرحيل في نهاية المطاف".
ينضم مهدي إلى والده، سامر، عند موقع منزلهما المهدوم، ويستعيدان ذكريات منزلهما الذي كانا يعيشان فيه.
يقول سامر وهو يشير بيده إلى كومة الركام: "هنا كنا قد بنينا شقتين منفصلتين في مبنى واحد؛ واحدة لجميع أفراد الأسرة والأخرى لمهدي الذي كان يستعد للزواج". يبتسم مهدي وهو يحدق في الحطام.
ويتابع سامر: "عملت على بناء هذا البيت بشغف لم أشعر به في أي موقع بناء آخر، فهو بيتنا في نهاية المطاف. بيتي أنا". ثم يضحك حين يستذكر ليلته الأولى في بيتهم الجديد: "حظيت في تلك الليلة بنومٍ لم أحظ به منذ زمن طويل؛ وشعرت بالسلام والرضا".
بدأت أسرة حمدية بناء منزلها في عام 2020، لكن حلم امتلاكه سبق ذلك بكثير. يقول سامر: "بدأتُ العمل عندما كان عمري سبعة عشر عامًا، ومنذ ذلك الحين وأنا أدخر لبناء بيت. وبعد زواجي، عشت أنا وزوجتي في منزل والديّ في الجانب الآخر من المدينة". ويشير بيده نحو الأفق، حيث تظهر عدة منازل في قرية قلنديا.
اشترى سامر قطعة أرض صغيرة في عام 2016 لبناء منزله، وتقدّم بطلب للحصول على تصريح بناء من السلطات العسكرية الإسرائيلية، وليس من السلطة الفلسطينية (PA)، لأن أرضه تقع في "المنطقة ج" (Area C)، وهي المساحة التي تشكل نحو %60 من الضفة الغربية وتخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية كاملة. أما الـ %40 المتبقية، المصنفة منطقة "أ" ومنطقة "ب" بموجب اتفاقيات أوسلو عام 1993، فتخضع لدرجات متفاوتة من الإدارة المشتركة بين السلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.
بينما تمنح السلطة الفلسطينية تصاريح البناء في المنطقتين (أ) و(ب)، نادرًا ما تمنح السلطات الإسرائيلية مثل هذه التصاريح في المنطقة (ج). ومع ذلك، قدّم سامر طلبًا للحصول على تصريح، معتقدًا أن قرب أرضه من المنطقة (ب) قد يحسّن فرص حصوله عليه.
ويستطرد سامر: "أكملت جميع إجراءات الأوراق الرسمية عبر مكتب محاماة في رام الله، ولكن بعد فترة وجيزة من تقديم الطلب، استدعاني المحامي إلى مكتبه، وطلب مني تجهيز مبلغ كبير من المال، لأن القضية القانونية ستستغرق وقتاً طويلاً".
ظلت القضية عالقة في أروقة المحاكم حتى عام 2020، واحتاجت العائلة للانتقال إلى منزل جديد في ذلك الوقت. وقال سامر: "احتاجت عائلتي ووالداي المسنان إلى مساحة أكبر، وبما أن إجراءات التصريح ظلت مستمرة، اعتقدنا أنه يمكننا البدء في بناء المنزل".
بقيت عريضة سامر للحصول على تصريح بناء عالقة في المحاكم الإسرائيلية لمدة 10 سنوات، أنفق رسومًا قانونية في تلك المدة تبلغ 10,000 شيكل (3,164 دولاراً)، ولم يصدر التصريح أبداً. غير أن منزل العائلة أصبح مهددًا قبل ذلك بكثير. يقول سامر: "في عام 2016، جاءت القوات الإسرائيلية ووزعت أوامر هدم، ومع أنني كنت قد قدّمتالتماسًا للحصول على تصريح البناء فعلًا، إلا أنني استلمت أمر هدم موجّه إلى أرضي الخالية تقريبًا من أي بناء. ارتبك المحامي حينها، ورجّح أن يكون الأمر محض خطأ، أو أنه ليس موجهاً لي، وقال إنه سيتابع الأمر في المحكمة".
لم يكن بناء المنزل مجرد حلم يتحقق ويوفر مساحة أوسع لأسرة حمدية فحسب، بل كان أيضًا بيتًا يحتضن نمو العائلة الأكبر ويُرسّخ جذورها في قريتها.
اعتادت العائلات العيش سويًا في مجمعات سكنية صغيرة في القرى الفلسطينية على مدى قرون. تتكون هذه المجمعات، الشهيرة بمسمّى "الحوش"، من بيوت فردية متعددة تخص أخوة وعائلاتهم. وعندما يتزوج الأحفاد ويبدأون في تكوين أُسرهم الخاصة، يستقلون حينها لتأسيس حوشهم الجديد. وأوضح سامر: "جاء زواج مهدي وبناء منزله على نفس النمط. وكان من المفترض أن يكون هذا البيت أول بناء في حوش سامر حمدية، الذي كان سيضم لاحقًا بيوتًا أخرى عند زواج إخوة مهدي."
شاركت نجلا، زوجة سامر، الحديث حين سارت مع ميرا، ابنتها الصغرى ذات الحادية عشر عامًا، حول الركام بحثًا عن تفاصيل كل ركن، وقالت: "هذه أول مرة أعود فيها هنا منذ الهدم. ينفطر قلبي عندما أرى البيت حطامًا، وكأنني أعيش الخسارة من جديد."
وأضافت: "بناء المنزل كان أهم مشروع عائلي قمنا به سويًا، وأصبح إنجازًا يعمّر مدى الحياة. وقّعت كل تلك الشيكات لسداد مبلغ مواد البناء، وذهبت عشرات المرات إلى رام الله لإيداع الأموال في حسابي المصرفي، كما رهنتُ مجوهرات زفافي في أحد المحال ليصبح ضمانًا. ولم نسدد الدين حتى اليوم."
توقفت نجلا عن العمل في بيت عائلة زوجها في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الانتقال وخصصت كل وقتها للبيت الجديد، تنسق تفاصيل الديكور والأثاث مع بناتها. انتقلت الأسرة إلى منزلها الجديد في 18 يناير من عام 2024، بالتزامن مع يوم مولد سامر. واستدعت نجلا ذكرياتها قائلةً: "عشتُ في سلام في بيتي بداية من يناير 2024 إلى يناير 2025. فكنت أستيقظ على زقزقة العصافير في الصباح، وأحضر الفطور للأسرة كلها، ثم أقضي معظم اليوم داخل البيت، أحاول تجميله قدر الإمكان."
بدأ السلام ينجلي تدريجيًا في مطلع عام 2025، عندما اتصل المحامي بسامر ليخبره أن السلطات الإسرائيلية لن تصدر تصريح البناء بعد كل ذلك الجهد. وقال إن هناك نقصًا في وثائق العريضة. وقال سامر: "وقتها شعرت ببداية العد التنازلي، لكن المحامي أكد أن الإسرائيليين لن يهدموا المنزل دون إشعار مسبق، غير أنهم فعلوا ذلك دون أي إشعار."
استيقظت عائلة حمدية في صباح اليوم السادس عشر من شهر ديسمبر لعام 2025 على ضجيج المحركات الإسرائيلية. وصلت سيارة شرطة جيب إلى الشارع حيث يقع منزل عائلة حمدية، تبعها جرّار. وفهم سامر فورًا أن اللحظة التي كان يخشاها قد حانت.
واستذكر سامر: "أخبرني الضابط الإسرائيلي صراحةً أنهم هنا لأجل منزلي، وقال إنهم أرسلوا إشعارًا، ولكني لم أستلم شيئًا. ثم أخبرني أنه سيذهب للجانب الآخر من القرية لتسليم إشعار هدم لعائلة أخرى، وعندما يعود، سوف يشرع في هدم البيت."
شرحت نجلا: "دخلت شرطية المنزل وبدأت في النقر على الجدران للتحقق من مادة بنائها. وبعد أن أمرَت بناتي بالخروج، طردتها وصحت فيها: "هذا بيتي". ولكنها وضعت يدها على بندقيتها وصرخت، فغادرنا بثياب نومنا دون أخذ أي شيء معنا."
عندما عاد الضابط الإسرائيلي، كان قد اجتمع المئات من سكان قلنديا لبدء إخراج الأثاث ومتعلقات العائلة أيضًا. وقال سامر: "تفاجأت من سرعة تعاون الجيران. وعندما وصل الصحفيون، بدأت الشرطة بإصدارأوامر بتفريق الحشد قبل استخدام الغاز المسيل للدموع."
أطلقت الشرطة الإسرائيلية وابلاً كثيفاً من الغاز المسيل للدموع لدرجة أن مراسلة الجزيرة، ثروت شقرة، كانت تبكي على الهواء وهي تنقل أخبار الهدم. شاهد سامر وأطفاله تدمير المنزل الذي كدّوا في تشييده، ولكن نجلا لم تقوَ على بشاعة هذا المشهد.
تتذكر نجلا: "كل مطرقة من الجرّار كانت مثل مطرقة تهشم قلبي. لقد أودعت قدرًا كبيرًا من روحي داخل هذا البيت، ولم أقوَ على مشاهدة أثاثنا يُلقى في الشارع."
وكان هدم البيت بالنسبة لسامر هدرًا "لجهد عمر كامل".
وقال متعجبًا: "لا أعلم كيف سنتجاوز ما حدث، ولكني متأكد من شيء واحد: إن كانوا ينتظرون رحيلنا، فتلك أضغاث أحلام. سوف نبقى هنا مهما كلفنا الأمر."
قسام مُعدي كاتب متخصص في الشأن الفلسطيني في موقع "موندوايس" (Mondoweiss). يمكنك متابعته على منصة تويتر/إكس (Twitter/X) عبر الحساب: QassaMMuaddi@.
