Black Propaganda

عمليات بريطانيا السرية في 'الدعاية السوداء'

كشفت الملفات أن وحدة التحرير الخاصة، الذراع السري لقسم أبحاث المعلومات البريطاني، أدارت وكالات أخبار وهمية، وزوّرت وثائق، وتلاعبت بصحفيين حول العالم بهدف زعزعة الاتحاد السوفياتي والقادة المناهضين للاستعمار والحركات اليسارية إبان الحرب الباردة.
كشفت ملفات رُفعت عنها السرية مؤخراً عن العمليات السرية الواسعة لقسم أبحاث المعلومات البريطاني (IRD) ووحدته السرية المسماة وحدة التحرير الخاصة (SEU)، اللتين عملتا بين عامَي 1948 و1977. بمساعدة MI6، تخصصت الوحدة في الدعاية 'السوداء' — عبر إنشاء منظمات وهمية، وتزوير وثائق، وإدارة وكالات أخبار واجهة لنشر المعلومات المضللة. استهدفت حملاتها الاتحاد السوفياتي، والحركات اليسارية، وقادة حركات التحرر الوطني كالمصري جمال عبد الناصر، والإندونيسي سوكارنو، والغاني كوامي نكروما، بهدف إثارة العنف وتأجيج التوترات وحماية المصالح البريطانية.

لجأت الحكومة البريطانية إلى منظمات وهمية ووثائق مزورة لزعزعة استقرار أعدائها وحماية مصالحها في خضم الحرب الباردة، وفق ما كشفته ملفات رُفعت عنها السرية.

جاءت هذه المعلومات في سلسلة من الملفات بالغة الحساسية أُفرج عنها وأُودعت في دار المحفوظات الوطنية بلندن.

كانت هذه الملفات تخص قسم أبحاث المعلومات (IRD)، وهو وحدة دعائية سرية مناهضة للشيوعية عملت داخل وزارة الخارجية البريطانية بين عامَي 1948 و1977.

كان داخل هذا القسم وحدة بالغة السرية تُعرف بوحدة التحرير الخاصة (SEU)، متخصصة في 'الفنون الداكنة' للعمل الاستخباراتي السري بمساعدة MI6.

تضمن هذا العمل التخطيط لعمليات دعاية 'سوداء' وتنفيذها، كإنشاء منظمات وهمية ونشر وثائق مزورة.

صُمِّمت هذه العمليات 'السوداء' لـ"تشجيع ردود الفعل وإثارة العنف وتأجيج التوترات العرقية"، وفق ما أوضح المؤرخ روري كورماك الذي يتناول في كتابه الجديد الشخصيات المحورية وراء الوحدة.

كما أدارت الوحدة سراً سلسلة من وكالات الأخبار العالمية التي تظاهرت بأنها مؤسسات إعلامية شرعية، وشكّلت قنوات لتمرير المحتوى الدعائي البريطاني.

فضلاً عن ذلك، زوّدت الوحدة صحفيين 'مستقلين' بإحاطات خاصة ومقالات جاهزة نُشرت تحت أسمائهم.

تركّزت غالبية هذه المواد على الاتحاد السوفياتي وأنشطته الخارجية، غير أن حملات أخرى استهدفت حركات يسارية وحركات التحرر الوطني في دول العالم النامي.

كان القادة المناهضون للاستعمار كالمصري جمال عبد الناصر، والإندونيسي سوكارنو، والغاني كوامي نكروما، هدفاً متكرراً للعمليات الدعائية البريطانية.

نظّمت الوحدة كذلك حملات دعائية تناولت موضوعات متنوعة، من حقوق الصيد في شمال الأطلسي، إلى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وصولاً إلى الأحزاب الشيوعية الأوروبية.

تكشف هذه الملفات عن أبعاد جديدة لدور عمليات الدعاية في السياسة الاستخباراتية البريطانية السرية، وتُظهر كيف وُظِّف الخداع والتضليل على نطاق أوسع بكثير مما كان معروفاً.

المنابر الخاضعة للسيطرة

كان من أبرز نشاطات الوحدة إدارة وكالات أخبار بشكل سري — وصفتها الملفات بـ'المنابر الخاضعة للسيطرة' — وضمان تزويدها بتدفق مستمر من المواد الدعائية.

شملت الوكالات الخاضعة للسيطرة من وايتهول وكالة 'نافين' (Near and Far East News - NAFEN)، وصحيفتا 'ناشيونال غارديان' (National Guardsman) و'غارديان أوف ليبرتي' (Guardian of Liberty)، و'لايون فيتشرز' (Lion Features)، و'وورلد فيتشر سيرفيسز' (World Feature Services).

أنتجت الوحدة نحو 10 مقالات أسبوعياً لوكالة 'نافين' خلال ستينيات القرن الماضي، وزُعت عبر آسيا، لا سيما في الهند وباكستان وسيلان واليابان وماليزيا.

أما 'غارديان أوف ليبرتي' فكانت مجلة تصدر كل شهرين تُوزَّع على السياسيين والوزارات الحكومية ونقابات العمال والجامعات والمكتبات العامة والصحفيين ورجال الأعمال في دول العالم النامي.

أشارت إحدى وثائق الوحدة إلى أن المجلة، التي كانت 'الانتفاضة المجرية ذريعتها المُعلنة لنشأتها'، استطاعت بناء 'سمعة كمرجع موثوق في الشؤون الشيوعية'، مما أوجد حرجاً متكرراً للسلطات السوفياتية.

رأت الوحدة في هذه المجلة 'منبراً هجومياً يمكن التنصل منه لنشر موضوعات صعبة كـ 'الكشف عن أسماء عملاء KGB العاملين في دول أجنبية'.

كانت 'لايون فيتشرز' منبراً إعلامياً مهماً آخر تديره الوحدة، وكانت تصدر عادةً ثلاثة أعداد شهرياً، يضم كل منها خمس مقالات.

وفق تقرير للوحدة، كانت تُوزَّع على صحف ومحطات إذاعية في أفريقيا، وكذلك في الشرق الأوسط وبعض دول آسيا، وقد استفادت من خدماتها نحو 80 صحيفة أفريقية عام 1972.

وحرصت هذه المنابر الخاضعة للسيطرة على المزج بين المحتوى السياسي والمواد «المحايدة» كي تبدو وكالات أخبار حقيقية، بما يسهّل تمرير الرسائل الدعائية بسلاسة.

تناولت هذه المقالات 'المحايدة' موضوعات مثل شؤون المرأة والصحة وعلم الاجتماع والجغرافيا والتاريخ والرياضة.

وكتب أحد مسؤولي الوحدة عن 'لايون فيتشرز': "لاستقطاب المحررين والقراء والحفاظ على مظهر وكالة أخبار حقيقية، كانت النشرة تضم عادةً مقالين سجاليين إلى جانب ثلاث مواد أخرى ذات طابع إيجابي أو محايد".

المنابر المستقلة

إلى جانب إدارة وكالات الأخبار، زوّدت الوحدة منابر وصحفيين 'مستقلين' بإحاطات سرية ومحتوى جاهز للنشر تحت أسمائهم.

واستند بعض هذه المواد إلى معلومات استخباراتية بريطانية، ما ساعد الصحفيين على تعزيز مكانتهم المهنية وترويج قصصهم على نطاق دولي.

وكان أحد أبرز مصادر الوحدة شخصاً يُشار إليه في المذكرات الداخلية باسم «الصحفي في فيينا»، من دون الكشف عن هويته.

وكان 'مراسلاً راسخاً في شؤون الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية'، إذ كانت الوحدة ترسل إليه أسبوعياً ما بين مقالين وثلاثة مقالات معدّة مسبقاً للنشر في منابر أوروبية بارزة، ظهر معظمها في الصحافة السويسرية الناطقة بالألمانية.

بين أكتوبر 1972 وسبتمبر 1973، نشر «الصحفي في فيينا» 211 مقالاً من إعداد الوحدة في منابر سويسرية، تراوحت بين مطبوعات مرموقة ذات سمعة دولية، مثل صحيفة 'نويه تسورشر تسايتونغ' (Neue Zürcher Zeitung) اليومية الناطقة بالألمانية، وصحف إقليمية صغيرة.

وأُعيد نشر كثير من هذه المقالات لاحقاً في منابر أوروبية كبرى وخارج أوروبا أيضاً.

فعلى سبيل المثال، استندت صحيفة 'كومبا' (Combat) اليومية الفرنسية اليسارية إلى أحد مقالاته المنشورة في 'نويه تسورشر تسايتونغ' ضمن سلسلة من المقالات، قبل أن يلتقطه الصينيون ويعيدوا بثّه داخل الصين.

كما كان 'الصحفي في فيينا' يزوّد شخصيات مؤثرة بـ«مواد خاصة» أعدّتها الوحدة، ويؤدي دور 'حلقة وصل مهمة مع الأوساط السياسية والعسكرية السويسرية ومع حكومات بعض الدول عبر سفرائها في فيينا'.

ولم يكن هذا الصحفي الوحيد الذي تتعامل معه الوحدة في النمسا؛ إذ ضمّت شبكتها أيضاً 'صحفياً نمساوياً معروفاً يقدّم برنامجاً أسبوعياً للشؤون الجارية على التلفزيون'، ومراسلاً لوكالة 'رويترز' كان يتلقى "تسريبات" حول شؤون أوروبا الشرقية، فضلاً عن صحفي آخر أتاح 'قناة اتصال غير رسمية مع الصحافة الهولندية".

كما أُرسلت مواد إضافية إلى «مديري مكتبَي UPI ورويترز في فيينا' أملاً في تحقيق «أثر مضاعِف يفضي إلى تغطية إعلامية أوسع'.

في أوروبا، شملت أبرز علاقات الوحدة 'صحفياً سويسرياً' في جنيف، وممثلاً لمجموعة سبرينغر (Springer Group)، الناشر الألماني، الذي كان يوفر 'قناة للصحافة الألمانية الغربية وخدمة سبرينغر للصحافة الخارجية'.

أُرسلت مواد إضافية إلى 'مراجعة الصحافة السويسرية'، وهي خدمة مقالات أسبوعية بالألمانية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، بل دفعت الوحدة تكاليف زيارة رئيس تحريرها إلى هونغ كونغ في مطلع السبعينيات 'لتحفيز تغطية أكثر كثافة للأحداث الصينية'.

في بريطانيا نفسها، حافظت الوحدة على روابط مع الصحافة البريطانية عبر 'صانداي تليغراف' (Sunday Telegraph) و'سكوتسمان' (The Scotsman) ونشرة 'فورين ريبورت' (Foreign Report) التابعة لـ'الإيكونوميست'.

عام 1973، على سبيل المثال، أشارت مذكرة داخلية إلى أن مساعد رئيس تحرير 'صانداي تليغراف' — ويُرجَّح أنه غوردون بروك-شيبرد، أحد أبرز المرتبطين بالقسم — حصل على 'ست مجموعات من المواد المكتوبة أو إحاطات شفهية'.

استناداً إلى هذه المعلومات، نشر المحرر 'سلسلة مقالات عن الحركات الفدائية العربية وارتباطاتها الدولية' ظهرت 'في أربعة أعداد متتالية من الأحد'.

العمليات 'السوداء'

زوّرت الوحدة أيضاً وثائق منسوبة إلى جماعات حقيقية وأخرى وهمية، في إطار عمليات 'سوداء' عزّزت الهجوم الدعائي البريطاني.

غير أن هذه العمليات لم تُستخدم إلا 'بانتقائية'، و'حين يتعذّر إيصال رسالة مهمة بصورة موثوقة عبر وسائل أخرى'.

ومن بين تلك العمليات، زوّرت الوحدة مقالات بدت كأنها صادرة عن وسائل إعلام حقيقية، مثل وكالة الأنباء السوفياتية 'نوفوستي' (Novosti)، كما جرى تمرير محتوى دعائي عبر جماعات من بينها 'كوميتاتو ميلانيزي بر لا باتشي' (Comitato Milanese per la Pace) — 'لجنة ميلانو للسلام'.

أُرسلت هذه المواد المزوّرة بالبريد إلى جهات مستهدفة حول العالم، من مسؤولين حكوميين ونقابات عمالية ومنظمات سلام وصحفيين.

وفي سياق التخطيط لعمليات الدعاية 'السوداء'، لم يكن تدخّل الوزراء البريطانيين وتقديمهم توصيات أمراً نادراً.

ففي عام 1964، تساءل وزير الخارجية باتريك غوردون ووكر عمّا إذا كان بالإمكان، "في موادنا الموجّهة إلى أفريقيا، الاستفادة من حقيقة أن الصينيين لا يختلفون كثيراً عن البيض من حيث لون البشرة".

واقترح ووكر أن تُجري الوحدة 'بحثاً في المشاعر العرقية للأفارقة تجاه الصينيين'، بهدف تقويض أي شعور بـ'التضامن' بينهم.

كما اعتُبر أن رسالة مجهولة الهوية أُرسلت إلى 'زعيم في الخليج' عام 1972، 'بناءً على اقتراح' من وزير الخارجية، قد 'أسهمت في قراره عدم إقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي'.

العمليات ضد الاتحاد السوفياتي

استهدفت نسبة كبيرة من عمليات الوحدة الدعائية الاتحاد السوفياتي بهدف عرقلة أنشطته وعزله جيوسياسياً.

ووفق ما ورد في التقارير السنوية للوحدة، كانت الموضوعات المتكررة تشمل 'التكتيكات التوسعية السوفياتية في العالم النامي' و'الأنشطة المشبوهة للكتلة السوفياتية عالمياً في مجالي التجسس والتخريب'.

فعلى سبيل المثال، ساهمت الوحدة في كشف عملية استخباراتية مدعومة من السوفيات في تونس، وكذلك زيارة عميل سوفياتي خاص إلى المستعمرات البرتغالية في أفريقيا.

كما هدفت حملات أخرى إلى تسميم علاقات الاتحاد السوفياتي بجيرانه وتشويه سمعته لدى الدول النامية.

وفي عام 1965، أُطلقت أربع عمليات 'سوداء' بهدف استغلال 'الاحتكاك الصيني-السوفياتي' وفضح 'المنظمات الواجهة' السوفياتية.

وتضمّنت إحدى هذه العمليات إرفاق مذكرة مزوّرة 'تندّد بالتفجيرات النووية الصينية' بكتيّب سوفياتي أصيل، فيما أُرسل أيضاً ملصق مزوّر ينتقد البرنامج النووي الصيني إلى لجان شبابية.

كما أصدرت الوحدة عام 1972 كتيّباً مزوّراً باسم وكالة 'نوفوستي' حول 'جامعة لومومبا للصداقة' في موسكو، التي كانت تستقبل طلاباً أجانب.

وأشار الكتيّب إلى 'الصعوبات التي واجهها الطلاب الأجانب'، ملمّحاً إلى أنر'تدنّي نتائجهم يعود إلى محدودية ذكائهم، لا إلى أساليب التدريس السوفياتية'.

وكان الهدف من ذلك 'التصدي لمساعي الاتحاد السوفياتي لاستقطاب الطلاب العرب'، إذ وُزّعت 1060 نسخة على دول العالم النامي، مع إيلاء 'اهتمام خاص' بالشرق الأوسط.

كما أُرسلت نشرة مزوّرة أخرى باسم 'نوفوستي' بعنوان 'دور الإسلام في المجتمع المعاصر' إلى دول مسلمة، بهدف إظهار 'كيفية قمع الإسلام والأديان الأخرى في الاتحاد السوفياتي'.

وكانت بعض العمليات 'السوداء' تهدف أساساً إلى إحراج السوفيات.

ففي عام 1974، صدر بيان وهمي' منسوب إلى مجلس السلام العالمي (WPC) الموالي للسوفيات، بشأن 'مضايقة وطرد' ألكسندر سولجنيتسين.

وكان الكاتب والمعارض الروسي قد اعتُقل وطُرد في ذلك العام عقب نشر كتابه 'أرخبيل غولاغ'، الذي تناول منظومة معسكرات الاعتقال السوفياتية الشاسعة.

وكان مجلس السلام العالمي، الذي تأسس عام 1950، يعلن رسمياً مناهضته للتسلح والإمبريالية ودفاعه عن السلام العالمي، لكنه كان في الواقع منظمة واجهة تروّج للسياسة الخارجية السوفياتية.

وأُرسل بيان الوحدة إلى نحو 504 متلقّين، 'معظمهم في أوروبا الغربية وبعضهم في الشرق الأوسط وآخرون في آسيا وأفريقيا'، بهدف 'إثارة حفيظة اليساريين المعتدلين'.

اضطر وأجبر ذلك المجلس على إصدار بيان نفي، ما 'سلّط الضوء على امتناعه عن التعليق على قضية سولجنيتسين — وهو اعتراف لافت وكاشف'.

العمليات ضد قادة التحرر من الاستعمار

استهدفت عمليات الوحدة الكبرى أيضاً زعماء بارزين في حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار في الجنوب العالمي.

كان جمال عبد الناصر واحداً من هؤلاء؛ فقد شهدت فترة رئاسته لمصر بين عامَي 1954 و1970 تأميم قناة السويس.

عملت الوحدة بجد لإيجاد شقاق بين مصر ودول الجوار، مع تركيز خاص على ' النزعة التوسعية ' لناصر في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

ركّزت العمليات 'السوداء' خلال ستينيات القرن الماضي على 'الانفجار السكاني في مصر في مقابل ليبيا' ومخططات مصر للاستيلاء على نفط ليبيا، فيما استهدفت عمليات أخرى فضح 'طموحات ناصر التوسعية' في اليمن وسوريا.

وتمحورت حملة دعائية أخرى حول 'تعارض موقف ناصر من الاتحاد السوفياتي مع مبادئ الشيوعية المتعلقة بالإسلام'.

وكان سوكارنو، رئيس إندونيسيا بين عامَي 1945 و1967، هدفاً رئيسياً آخر للعمليات الدعائية البريطانية.

سعت الوحدة إلى إثارة توترات بين إندونيسيا والعالم الإسلامي من خلال عمليات 'سوداء' تروّج لفكرة سعي إندونيسيا للسيطرة على قيادة العالم الإسلامي.

وهدفت هذه العمليات، كما كتب أحد المسؤولين، إلى 'إثارة حفيظة قادة مسلمين في الشرق الأوسط'.

وأُرسلت 500 نسخة من منشور مصوّر 'يُصوّر سوكارنو بين هتلر وموسوليني' لمهاجمة الرئيس الإندونيسي عام 1964.

في العام التالي، أصدر الدعاة البريطانيون منشورات 'سوداء' تطالب بـ'اجتثاث السرطان الشيوعي' من إندونيسيا، مما أسهم في إشعال المجازر ضد اليساريين، التي وصفتها وكالة CIA لاحقاً بـ'أحد أسوأ عمليات القتل الجماعي في القرن العشرين'.

وبعد اندلاع المجازر، وفق ما وثّقه الصحفيون بول لاشمار ونيكولاس غيلبي وجيمس أوليفر، أثنى القسم على 'قوات الجيش والشرطة' لـ'قيامها بعمل ممتاز'.

أعلنت إحدى منشورات القسم: 'يجب القضاء على الشيوعية بكل أشكالها. ينبغي مواصلة العمل الذي بدأه الجيش وتصعيده'.

الهدف الثالث البارز للوحدة كان كوامي نكروما، رئيس غانا بين عامَي 1957 و1966، الذي قاد البلاد نحو الاستقلال عن بريطانيا.

كان الهدف الشامل للقسم في مهاجمة نكروما إيجاد 'مناخ' يمكن فيه 'إطاحته واستبداله بحكومة أكثر تبعية للغرب'.

أتت التوجيهات للهجوم ضد نكروما من رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أليك دوغلاس-هوم، الذي تساءل عام 1964: 'أفلا يمكننا تسريب معلومات تفصيلية عن تصرفات نكروما عبر قنوات لا يمكن إرجاعها إلينا؟'

أُرسلت 450 نسخة من منشور للوحدة، يبدو أنه صادر عن مجموعة 'منفيين غانيين'، عام 1965، لمهاجمة كووو أديسون، مدير معهد كوامي نكروما الأيديولوجي.

كتب أحد مسؤولي الوحدة: 'الغرض من العملية لفت الأنظار إلى المستشارين الأجانب الخطرين الذين يحثّون نكروما على انتهاج سياسات تتعارض مع المصالح الحقيقية لغانا'.

وُزِّعت كذلك 500 نسخة من منشور ثانٍ 'يهاجم الرجال الشريرين في محيط نكروما'، لا سيما كوفي باتسا، الأمين العام لاتحاد الصحفيين الأفريقيين.

ردّ نكروما في خطاب عام 1965 بهجوم حاد على 'أصحاب النوايا الخبيثة الذين يكتبون ويوزعون رسائل ووثائق مجهولة المصدر تحمل تهديدات وافتراءات على أناس آخرين'.

بعد الإطاحة بنكروما في انقلاب عام 1966 واستبداله بعناصر رفيعة في الجيش والشرطة الغانية، أوصى أحد الدبلوماسيين بأن تُوجَّه جهود القسم نحو 'ضمان ألّا يضيع على الأفارقة الآخرين الدرس المستخلص من مغازلة نكروما للشيوعية'.

في أفريقيا أيضاً، اتهمت حملات أخرى موجَّهة من الوحدة الكيني جارامووغي أوغينغا أوندينغا بأنه 'أداة في يد الصينيين'، وسعت إلى 'تشجيع حل سلمي للوضع في جنوب أفريقيا الخاضع لنظام الفصل العنصري'.

سعت حملات أخرى إلى فضح 'حماقة إعلان روديسيا الجنوبية الاستقلال من جانب واحد' عام 1965، والتعريف بـ'الفظائع في أوغندا' في عهد إيدي أمين خلال سبعينيات القرن الماضي.

العمليات في أوروبا

بينما انصبّ تركيز معظم العمليات على الاتحاد السوفياتي والعالم النامي، أبقت الوحدة عيناً يقظة على الشؤون الأوروبية.

شكّلت 'حروب القد'، وهي سلسلة من النزاعات بين بريطانيا وأيسلندا حول حقوق الصيد في شمال الأطلسي، مادة لنشاطات الوحدة خلال السبعينيات.

كتبت الوحدة عدة مقالات 'حول الاهتمام الصيني والسوفياتي بأيسلندا'، ظهر أحدها 'فيما لا يقل عن خمس صحف سويسرية'.

ندّدت المقالات بـ'الاهتمام السوفياتي بالجزيرة وآمال الشيوعيين في الاستفادة من النزاع'، في محاولة لتصوير تصرفات أيسلندا على أنها مدفوعة بمصالح خارجية.

في إحدى الحالات، طلبت الوحدة من رئيس تحرير 'مراجعة الصحافة السويسرية' 'استقطاب اشتراكات' من محرري الصحف الأيسلندية لتهريب وجهات النظر البريطانية بشكل فعّال إلى داخل البلاد.

استهدفت مواد الوحدة في أماكن أخرى نفوذ الشيوعيين في البرتغال، و'استقلالية' الأحزاب الشيوعية الغربية، و'صدق' الشيوعيين الإيطاليين، و'ادعاءات اعتناق المبادئ الديمقراطية' من قِبَل العناصر الشيوعية الأوروبية.

أُغلق القسم في نهاية المطاف عام 1977 في عهد حكومة العمال بزعامة هارولد ويلسون، في ظل تقليصات في الميزانية وسياسة الانفراج والتداخل مع صلاحيات MI6.

لم تختفِ الماكينة الدعائية السرية البريطانية بالكامل مع إغلاق القسم؛ إذ واصلت وزارة الخارجية بعض أنشطة القسم عبر جهاز خلف مُسمّى وحدة الإنتاج الخاصة (SPU).

عن الكاتب: جون ماكيفوي هو كبير المراسلين في 'ديكلاسيفايد يو كيه' (Declassified UK). مؤرخ وصانع أفلام وثائقية يركّز عمله على السياسة الخارجية البريطانية وأمريكا اللاتينية. حصل على درجة الدكتوراه حول الحروب السرية البريطانية في كولومبيا بين عامَي 1948 و2009، ويعمل حالياً على فيلم وثائقي حول الدور البريطاني في صعود أوغوستو بينوشيه.

Available in
EnglishPortuguese (Brazil)GermanFrenchItalian (Standard)ArabicRussianHindi
Author
John McEvoy
Translators
Lina Najjarin, Nesrine Echroudi and ProZ Pro Bono
Date
02.06.2026
Source
Declassified UKOriginal article🔗
Black PropagandaUnited KingdomChinaRussiaSouth Africa
Progressive
International
Privacy PolicyManage CookiesContribution SettingsJobs
Site and identity: Common Knowledge & Robbie Blundell