ملاحظة المحرّر: نظرًا للعدوان الأميركي المستمر على فنزويلا، بما في ذلك الهجمات واختطاف رئيسها، تُعيد صحيفة "ذا واير" نشر خطاب مانويل مالدونادو دينيس - رد الفعل مباشر على العدوان الأميركي في عهد ريغان - كدعوة دائمة للوحدة الإقليمية ضد الإمبريالية، مؤكدًا على التحرر من أجل السيادة الجماعية لـ"أميركا اللاتينية".
"إن نضالات شعوب أميركا اللاتينية من أجل الاستقلال الوطني كانت في الوقت نفسه نضالات مناهضة للإمبريالية، بدءًا من توباك أمارو حتى يومنا هذا."
في الفترة من 4 إلى 7 أيلول 1981، اجتمع كتّاب وشعراء وباحثون في هافانا، كوبا، لحضور "Primero Encuentro de Intelectuales por la Soberanía de los Pueblos de Nuestra América " - المؤتمر الأول لمثقفي أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من أجل سيادة شعوب أميركا اللاتينية. استضاف "كاسا دي لاس أميريكاس" هذا المؤتمر، وشارك فيه مثقفون من مختلف أنحاء المنطقة، حاملين معهم طيفًا واسعًا من المواقف الأيديولوجية والسياسية، إلا أنهم اتفقوا على أمر واحد: التهديد الذي يمثله رونالد ريغان والولايات المتحدة للسلام والأمن والسيادة في الأميركيتين. في الواقع، أشار المحررون في مقدمة كتاب "أميركانا: في نضال من أجل استقلالها الحقيقي"، وهو النسخة المطبوعة من وقائع المؤتمر، إلى الضرورة السياسية النادرة التي طبعت أجواء المؤتمر. لكنهم لفتوا الانتباه أيضًا إلى ما وصفه الصحفي والروائي والشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي بـ"الوحدة غير المسبوقة" للمشاركين في المؤتمر في مواجهة تهديد ريغان.
أضاف المحررون:
"...بفضل قنبلته النيوترونية، وتصعيده الهستيري لسباق التسلّح، وإصراره على تأجيج الحرب الباردة، وكراهيته للاشتراكية وقضية التحرّر الوطني، وعدوانه المتكرر على الدول التي تناضل من أجل استقلالها الكامل، ساعد رونالد ريغان، دون قصد، المشاركين في الاجتماع على إدراك أنه على الرغم من أن عدوانية الإمبريالية الأميريكية تظهر ضعفًا أكثر من قوة، إلا أنها مع ذلك عدوان قوي ينتهك الحقوق الأساسية لشعبنا، وأنه يجب علينا مواجهة هذا العدو بحزم، مستخدمين كل الموارد المتاحة لدينا للتغلب عليه."
باختصار، لم يكشف رونالد ريغان الوجه الحقيقي للإمبريالية الأميركية فحسب، بل فضح أيضًا مواطن ضعفها وهشاشتها الكامنة.
كان الخطاب الذي ألقاه عالم السياسة البورتوريكي مانويل مالدونادو دينيس (1933-1992) إحدى أبرز المساهمات والأكثرها إثارةً. نُشر الخطاب باللغة الإسبانية في مجلة "نوسترا أميركا" Nuestra América ، ثم نُشر باللغة الإنجليزية في العام 1982 في مجلة "تريكوتيننتال" Tricontinental الصادرة في هافانا بعنوان "التحرير الوطني: ضرورة حتمية لشعوب أميركا". وقد جسّد مقال دينيس روح النضال التي سادت مؤتمر هافانا، مستحضرًا التاريخ الطويل للمقاومة الأصلية والإفريقية في الأميركيتين، ونضالات الفلاحين والعمال من أجل الحرية. كما يذكرنا بالمهام الرئيسية للتحرر الوطني:
أ- النضال من أجل الاستقلال الوطني؛
ب- النضال ضد أشكال الاستعمار الأخرى، الخفيّة منها وغير الخفية، التي تستمر حتى بعد تحقيق الاستقلال الوطني؛
ج- النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي، أي النضال لاستعادة جميع وسائل الإنتاج التي لا تزال في أيدي القطاع الخاص لاستخدامها والتمتع بها من قبل الأمة؛
د- تأميم وسائل الإنتاج هذه وعملية بناء الاشتراكية".
يرى مالدونادو- دينيس أن التحرر الوطني لا يتحقق إلا بترسيخ الوحدة الإقليمية للدفاع عنه. فلا عجب أن دونالد ترامب، كما فعل ريغان من قبله، يواصل وسائل العنف الجامح للإمبريالية الأميركية في المنطقة، ويبذل قصارى جهده لبثّ الفرقة والريبة بين شعوب الأميركيتين. لقد آن الأوان لشعوب الأميركيتين أن تُدرك مصالحها المشتركة وتتّحد لمواجهة هذا الوحش.
نعيد نشر مقال مانويل مالدونادو - دينيس، "التحرر الوطني: ضرورة حتمية لشعوب الأميركتين"، أدناه.
التحرر الوطني: واجب أخلاقي مطلق لشعوب الأميركيتين
مانويل مالدونادو - دينيس
حين شرع إيمانويل كانت، الفيلسوف المثالي، في شرح جوهر الالتزام الأخلاقي لكل فرد تجاه البشرية جمعاء، عرّفه على النحو التالي: "حاول دائمًا أن تتصرف بطريقة تجعل مبدأ سلوكك قاعدة عامة". هذا الواجب الأخلاقي المطلق، كما سُمّي في أخلاقيات هذا الفيلسوف الشهير من كونيغسبرغ، تردد صداه في نصيحة خوسيه مارتي الشهيرة في القرن التاسع عشر: "على كل رجل حقيقي أن يشعر على خده بالصفعة التي يتلقاها رجل آخر على خدّه". تنبع هذه المسؤولية الإنسانية من جوهر التضامن الإنساني: مكافحة الظلم والقمع أينما وُجدا. ينطبق هذا على الأفراد والشعوب على حدّ سواء. لذا يقول لنا مارتي في بيان مونتكريستي، Manifesto of Montecristi: "إنه لأمر مؤثر ومشرّف أن نتصور أنه حين يسقط مناضل من أجل الاستقلال على أرض كوبا، ربما تخلى عنه غير المبالين من الأمم التي ضحى بنفسه من أجلها، فإنه يسقط من أجل خير البشرية جمعاء، وتأكيد الجمهورية الأخلاقية في أميركا، وإنشاء أرخبيل حرّ حيث تستطيع الأمم المحترمة أن تنفق ثرواتها التي، مع تداولها، لا بد أن تصل إلى مفترق طرقات العالم". هل يستطيع المرء أن يتخيل تعبيرًا أفضل أو أكمل عن هذه الروح الأممية، التي أرشدت مارتي ولا تزال تلهم كل من يرى أن النضال ضد الإمبريالية يتجاوز بوضوح الحدود الوطنية، ويقع في صميم الكفاح ضد الظلم والقمع، سواء في فلسطين أو جنوب إفريقيا، السلفادور أو بورتوريكو؟ إن الأمر الحتمي هو تفويض، بيان محدّد يدعو إلى الوفاء بواجب التضامن العالمي. هذا الواجب يعني في الوقت الحاضر، على المستوى الجماعي، النضال من أجل استقلال وتحرّر شعوب العالم.
في أميركا اللاتينية تحديدًا، يعني ذلك دعم نضالات جميع الشعوب ضد الإمبريالية والاستعمار والاستعمار الجديد. أو، استكمالًا لفكر المحرر الكوبي العظيم، يتمثل ذلك في الكفاح الدؤوب بكل الوسائل المتاحة من أجل استقلال شعوبنا، ضحايا هيمنة الإمبريالية واستغلالها الدائمين.
إن تاريخ أميركا اللاتينية غنيٌ بشكلٍ استثنائي بنضالاتها التحررية. ولحسن الحظ، فقد اضطلع الجيل الجديد من مؤرخي وعلماء اجتماع أميركا اللاتينية بمهمة استعادة هذه النضالات الاجتماعية من طيّ النسيان، حيث طُمست في الروايات التاريخية الرسمية التي صِيغت وفقًا لأفكار الطبقات الحاكمة في أميركا اللاتينية. إن النضالات ضد القمع، من انتفاضة السكان الأصليين من الهنود الحمر إلى نضالات العبيد السود، ومن توباك أمارو إلى ماكاندال، هي فصول مجيدة في تاريخ شعوبنا. إن الجماهير الشعبية، والعمال، هؤلاء الشعوب "التي لا تاريخ لها"، باتوا الآن في طليعة الأحداث التاريخية الراهنة. وفي هذا السياق، يمكننا أن ننظر إلى أولئك الذين تبنوا قضية هؤلاء الشعوب، والذين ناضلوا ضد الظلم والنهب.
ويمكننا أن نضع في سياقها الصحيح أحداثاً مثل الثورة الهايتية في القرن التاسع عشر، والثورة الكوبية في القرن العشرين، والثورة الساندينية الأخيرة، والنضال المجيد الذي يخوضه الشعب السلفادوري الآن. بإمكان شبابنا أن يتعاطفوا مع رجال مثل توسان لوفيرتور، وسيمون بوليفار، ورامون إيميتيريو بيتانس، ويوجينيو ماريا دي هوستوس، وخوسيه مارتي، وأوغوستو سيزار ساندينو، وأوغوستو فارابوندو مارتي، وخوليو أنطونيو بيلا، وبيدرو ألبيزو كامبوس، وإرنستو جيفارا، وسلفادور أليندي. باختصار، مع جميع أولئك الذين جسدوا بالقول والفعل آمال ورغبات شعوب أميركا اللاتينية - دون استبعاد، بالطبع، جميع هؤلاء الأبطال المجهولين الذين يقاومون ويقاتلون يوميًا، في كل مكان وعلى كل جبهة قتال، محاولات إنكار حق قطاعنا الشعبي غير القابل للتصرف في حياة كريمة داخل مجتمعاتهم.
يتطلب مفهوم التحرّر الوطني دراسة شاملة ومتعمقة لا يسعنا تقديمها في هذه الورقة الموجزة. ولكن إذا أردنا تحديد ملامحه الرئيسية، فيمكننا ذكر ما يلي:
أ- النضال من أجل الاستقلال الوطني؛
ب- النضال ضد أشكال الهيمنة الأخرى، الخفيّة منها والظاهرة، التي تستمر حتى بعد تحقيق الاستقلال الوطني؛
ج- النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي، أي النضال لاستعادة جميع وسائل الإنتاج المتبقية في أيدي القطاع الخاص واستخدامها والتمتع بها؛
د- تأميم وسائل الإنتاج هذه وعملية بناء الاشتراكية. ينبغي أن تتم جميع هذه الخطوات من أجل التطور الكامل لعملية التحرر الوطني، التي، كما هو واضح، يجب أن تتوج بالاشتراكية.
إن حللنا بالتفصيل تقلّبات هذه العمليات، فسنجد أنها لم تسلك مسارًا خطيًا؛ بل تميزت كل عملية منها بتقدّم وتراجع. ومع ذلك، يبقى أمر واحد واضحًا: يمكن كبح جماح نضال الشعب من أجل التحرّر مؤقتًا. يمكن احتواء هذه الظاهرة لفترات طويلة نسبيًا باستخدام القمع الممنهج ضد القطاعات الشعبية، لكن لا يمكن القضاء عليها تمامًا. وكما تجلى بوضوح في دول المخروط الجنوبي وأميركا الوسطى، تُستخدم الأساليب الفاشية حين يتعرض نظام الهيمنة الإمبريالية للتهديد.
سنتناول الآن بمزيد من التفصيل كل جانب من جوانب نضال التحرّر الوطني المذكورة أعلاه.
أولًا، من الواضح أنه لكي يمارس أي شعب سيادته، يجب أن يتمتع بالاستقلال الوطني. منذ أن عرّف جان بودان مفهوم السيادة في القرن السادس عشر، كان هذا يعني ممارسة السلطة العليا داخل إقليم محدّد. ولكي يكون هذا المفهوم واقعيًا لا مجرد مفهوم قانوني، يجب أن يكون الشعب هو المصدر الأساسي لتلك السيادة. لذا، فإن الاستعمار، من خلال وضع مصدر السلطة في يد دولة أخرى، هو إنكار لمبدأ السيادة. وبالتالي، فإن الاستقلال الوطني هو الحرية الأساسية للشعوب لأنه يمنحها القدرة على ممارسة السيادة على إقليم محدّد. إن حقيقة إمكانية انتهاك هذه السيادة، حتى بعد تحقيق الاستقلال الوطني، أمر معروف لدى الجميع. ولكن هذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل نضال الشعوب من أجل الاستقلال الوطني هجومًا مباشرًا على الإمبريالية، العدو اللدود لتحرير شعوب العالم. أولئك الذين لا يدركون أن الإمبريالية نظام للهيمنة العالمية؛ والذين لا يدركون أن هذا النظام، كما أكد لينين بحق، هو أعلى مراحل الرأسمالية في مرحلة احتكارها؛ والذين لا يفهمون أن الدول الاشتراكية لم تشارك في نهب الموارد الطبيعية والبشرية للشعوب التي كانت ولا تزال ضحايا الاستعمار والاستعمار الجديد، بل على العكس، ساعدت الدول الاشتراكية في نضالها ضد التخلف، مخطئون خطأً فادحًا في نظرتهم التاريخية، كما أشار فيدل كاسترو في مناسبات عديدة. لقد كانت نضالات شعوب أميركا اللاتينية من أجل الاستقلال الوطني نضالات مناهضة للإمبريالية في آن واحد، منذ عهد توباك أمارو وحتى يومنا هذا.
... لكن الاستقلال الوطني ليس سوى محطةٍ هامةٍ في مسيرة التحرر الوطني. فبعد نيل الاستقلال، تبرز مشكلة العلاقات التبعية التي لا تزول، بل تستمر في التكرار في ظل السيادة الجديدة. لهذه العلاقات جذورٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ وسياسيةٌ وثقافيةٌ عميقة. فعندما تنال الدول استقلالها في ظل نظام الرأسمالية التابعة - كما جرت العادة - يبدو استقلالها الذي نالته بشق الأنفس وكأنه قد أُلغي فعلياً، نظراً للعوامل المستعصية التي تُديم التنمية غير المتكافئة والتخلف الاقتصادي. وكما يتضح من الجهود غير الموفقة لإنشاء نظام اقتصادي دولي جديد، وفشل الحوار المُبالغ فيه بين الشمال والجنوب، فإن الدول الرأسمالية غير مستعدة للتخلي عن امتيازاتها وحقوقها التي تستمدها من التبادل غير المتكافئ بين المواد الخام والسلع المصنعة. وقد واجهت محاولات الدول المُصدِّرة للمواد الخام لممارسة سيادتها على هذه الموارد عداءً صريحاً من الدول المستوردة. على الرغم من ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن مطلب ممارسة الشعب الكاملة لسيادته على موارده الطبيعية قد طرحه الجنرال لازارو كارديناس في المكسيك، وبأفعاله انطلقت عملية لا عودة فيها، داحضة الفكرة التي فقدت مصداقيتها بالفعل بأن شعوبنا غير قادرة على إدارة ما هو حق لها بكفاءة.
إذن، إن لم يكن هناك نضال من أجل الاستقلال الاقتصادي، فإن الاستقلال الوطني يصبح مجرد ممارسة اسمية للسيادة. لقد حذرنا مارتي في القرن التاسع عشر من النمر الذي يتربص بشعوبنا حتى بعد حصولها على الاستقلال الوطني. من الضروري أن نكون على حذر من هذا النمر لأنه يعود دائمًا في الليل ليهدد مكاسب الشعوب. كان مارتي يشير، بطبيعة الحال، إلى الإمبريالية التي عرفها جيدًا، بعد أن عاش في أحشائها؛ ولذلك حذر شعوب أميركا من النضال بحزم من أجل ذلك الاستقلال الثاني الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال هجوم مباشر على ذلك "الشمال العنيف والوحشي الذي يحتقرنا". الاستقلال الاقتصادي شرط أساسي لممارسة السيادة الحقيقية؛ إنه مطلب الشعوب ألا تخضع للشروط التي تفرضها الشركات متعددة الجنسيات، وألا تكون مواردها الطبيعية والبشرية خاضعة لرأس المال الصناعي والمالي الدولي، وألا تمتلئ أراضيها بالقواعد العسكرية والبحرية التي تقيّد سيادة الشعوب. فيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، لدينا وضع قاعدة غوانتانامو في كوبا، التي لا تزال تشكل إهانة صارخة لشعوبنا.
يتضح مما سبق أن نضال الشعوب من أجل ممارسة سيادتها الكاملة يجب أن يفضي إلى تأميم وسائل الإنتاج الرئيسية، وإلى مسيرة نحو الاشتراكية. وهذا، بطبيعة الحال، ليس بالأمر السهل. فقد أدت الانتصارات المدوّية لشعوب كوبا وفيتنام وأنغولا - على سبيل المثال لا الحصر - إلى خلق ديناميكية انتقامية في الأوساط الحاكمة الغربية، وهي ديناميكية تتجلى سياسيًا في وصول إدارة ريغان إلى السلطة.
في ظل الوضع السياسي الراهن، بات استقلال وسيادة جميع شعوب العالم مهدّدًا بصعود أكثر القطاعات تمردًا وعسكرة في الطبقة الحاكمة الأميركية إلى السلطة. وفي منطقة الكاريبي، تواجه نيكاراغوا وغرينادا يوميًا تهديدات التدخل التي لطالما كانت جزءًا من تاريخ شعوبنا تحت الهيمنة الأميركية. تواجه كوبا الثورية عدوانًا جديدًا من الإمبريالية الأميركية. والأمر الوحيد الذي يستطيع إيقاف هذه القوة، والقوة الوحيدة التي تستطيع مواجهة طموحها الجامح للهيمنة العالمية، هو وجود العالم الاشتراكي، الذي وقف في وجه الغطرسة التي اتسمت بها الجمهورية الإمبريالية للولايات المتحدة منذ نشأتها.
لا يمكن للإمبريالية، كنظام هيمنة عالمي، أن تتعايش مع الاستقلال الوطني إلا إذا لم يُستخدم هذا الاستقلال لتحدي علاقات الإنتاج الرأسمالية. إن مسيرة الاستقلال الاقتصادي تشكل بالفعل مصدر إزعاج في علاقات الإمبريالية مع الدول المستقلة، ولكن يبقى دائمًا احتمال خلق علاقات تجارية وصناعية جديدة تتحول إلى مهزلة، أو تعطل عمليات تأميم الثروة الاجتماعية. إلا أن الرأسمالية لا تستطيع أن تتعايش بالانتقال نحو الاشتراكية الذي يهدد هيمنتها على حياة وثروات التكوينات الاجتماعية في "العالم الثالث". حتى إنشاء هياكل مثل سلطة الشعب غير مقبول لدى الطبقات الحاكمة. لن يسمحوا للأطفال المشاغبين: فالإمبراطورية تطالب بالخضوع التام، وإن لم يتحقق ذلك، فالحرب تعني الحرب: حرب تبدأ بهجوم اقتصادي، ولكن مع وفرة الموارد المتاحة، قد تصل إلى حد الحرب الكيميائية والبيولوجية.
في هذا السياق، تخوض الشعوب نضالها من أجل سيادتها، أي السيطرة الكاملة على أراضيها الوطنية، بما في ذلك باطن الأرض والمياه الإقليمية المحيطة بها، والحيوانات والنباتات، والموارد المائية، وغيرها. ولا يمكن ممارسة هذه السيادة بشكل كامل إلا إذا كانت السلطة الحقيقية في يد الطبقة الاجتماعية التي تنتج الثروة الاجتماعية، وهي الطبقة التي تمثل، إلى جانب الموارد الطبيعية التي تعدّ إرثًا للبشرية، أهم قوى الإنتاج المادية: الطبقة العاملة.
إن الطبقة العاملة، جنبًا إلى جنب مع الفلاحين وباقي فئات الشعب، هي المدعوة تحديدًا لأداء الدور التاريخي كبطلة للنضال من أجل التحرّر الوطني والاشتراكية، التي تُعدّ السبيل الوحيد لنيل سيادة شعوبنا.
حين ناضل محرّرونا الأوائل ضد الإمبراطورية الإسبانية المُتفككة، كان هاجسهم الرئيسي إنهاء نظام القمع البشع الذي حال، بفعله المعرقل، دون التطور الأخلاقي والمادي الكامل لشعوبنا. ففي جزر الأنتيل، على سبيل المثال، لم يقتصر هذا النضال العظيم على تحقيق الاستقلال الوطني فحسب، بل شمل أيضًا إنهاء استعباد السود. وبهذا المعنى، لم يكن قادة الأنتيل الثلاثة العظام في القرن التاسع عشر - هوستوس، وبيتانس، ومارتي - مجرد ثوار ناضلوا لقطع الروابط الاستعمارية مع إسبانيا، بل لم يتصوروا للحظة أن يتم التسامح مع استعباد السود في الجمهوريات الجديدة. لقد ناضلوا من أجل ثورة سياسية واجتماعية على حد سواء. كان حينها كارل ماركس قد كتب المجلد الأول من كتاب "رأس المال" وأسس الرابطة الأممية للعمال. لكن الاشتراكية، كرؤية تاريخية صالحة لأوروبا في تلك الفترة، لم تكن حاضرة، ولن تكون حاضرة، في الرؤية السياسية لهؤلاء الثوار الأنتيليين العظام.
بدأ النضال من أجل تحرير جزر الأنتيل بالتزامن مع التنافس المحموم للإمبريالية على المستعمرات، حيث وقع أكثر من ثلثي سكان العالم ضحية التوسّع الرأسمالي. كان ماركس، الذي توفي في العام ١٨٨٣، قد بدأ بالفعل في تحليل هذه العملية، لكن الوصف الأكثر شمولًا كان عليه أن ينتظر فلاديمير لينين في كتابه "الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية". مع أن مارتي، حتى قبل لينين، قدّم وصفًا بليغًا لهذه الظاهرة التي لم يتردد في تسميتها بالإمبريالية، إلا أن لينين هو بلا شك من أسس تحليله على المادية التاريخية وحدّد الدور التاريخي لحركات التحرّر الوطني في النضال ضد الإمبريالية. وهكذا وُضع الأساس لربط النضالات المناهضة للاستعمار والإمبريالية بالنضال من أجل التحرّر الوطني والاشتراكية. وأي مثال أفضل على ذلك من حياة وعمل الثوري العظيم وقائد الشعب، هو تشي منه!
ختامًا، إن التقاليد الثورية في أميركا اللاتينية، بقدر ما كانت مناهضة للإمبريالية باستمرار، تتكامل تمامًا مع نضال الشعوب الحالي من أجل ممارسة سيادتها والتحرّر الوطني. في الذكرى المئوية لصرخة يارا، قال فيدل كاسترو، مشيرًا إلى ثوار القرن التاسع عشر، إنهم لو كانوا أحياءً اليوم لكانوا مثلنا، ولو كذبنا حينها لكنا مثلهم. يجب علينا مواجهة هذا التحدي إن كنا عازمين على مواجهة أقوى عدو في تاريخ البشرية.
فكرة أخيرة: لن يكتمل التحرّر الوطني لشعوب ما أسماه مارتي "أميركانا" حتى تنال جميع الدول التي شملها بوليفار في رؤيته التحرّرية استقلالها. أنا أنتمي إلى مستعمرة أميركية تعدّ من أقوى حلقات سلسلة هيمنتها في منطقة الكاريبي. وقد أكّد الرائد إرنستو غيفارا أن مناهضة الإمبريالية تُقاس بمدى تضامن المرء مع بورتوريكو. على مدى أكثر من قرن، يخوض شعبنا نضالًا من أجل الاستقلال والتحرر الوطني. وقد حالت أسباب تاريخية مختلفة دون كتابة هذا البيت الأخير من قصيدة بوليفار حتى الآن. ولكن ما دامت بورتوريكو لم تنل سيادتها واستقلالها الكاملين، فإن سيادة جميع شعوب أميركا اللاتينية مهدّدة. لذا، نؤكد في الختام أن التحرّر الوطني لبورتوريكو ضرورة حتمية تتطلب تضامنًا نضاليًا من جميع شعوب العالم.
مانويل مالدونادو - دينيس، "التحرّر الوطني: ضرورة حتمية لشعوب أميركا اللاتينية"، مجلة ترايكونتيننتال 82 (1982)، 8-15.
