Ecology

المؤتمر الذي حدد جوهر المشكلة: سانتا مارتا وبداية النهاية للوقود الأحفوري

يشكل مؤتمر سانتا مارتا أول جهد متعدد الأطراف خارج إطار الأمم المتحدة لوضع خارطة طريق يقودها الجنوب العالمي نحو انتقال عادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري، في ظل تفاقم الانهيار المناخي والعرقلة المستمرة من قبل أصحاب المصالح المرتبطة بقطاع الوقود الأحفوري.
بعد ثلاثة عقود من تعثر مفاوضات المناخ التابعة للأمم المتحدة، واستمرار التوسع في استخدام الوقود الأحفوري، عقدت كولومبيا في سانتا مارتا، خلال أبريل/نيسان 2026، أول مؤتمر متعدد الأطراف يركز صراحة على التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري. وقد سعى المؤتمر، الذي نُظم بالشراكة مع هولندا وشارك فيه ممثلون عن 57 دولة إلى جانب منظمات قاعدية وعلماء وناشطين، إلى نقل الدبلوماسية المناخية من الجدل حول ما إذا كان ينبغي إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى البحث في كيفية تحقيق انتقال عادل وممول ومنصف بعيدًا عنه.

على مدى ثلاثة عقود، فشلت مؤتمرات الأمم المتحدة الثلاثون المعنية بتغير المناخ، والتي تعرف باسم  مؤتمر الأطراف (COP)، في تقديم خارطة طريق للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. ولم تُدرج الحاجة إلى التحول عن الوقود الأحفوري في الاتفاق النهائي لأي مؤتمر من تلك المؤتمرات حتى "مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين" (COP 28). وكانت هذه الإشارة قد حُذفت لاحقا في آخر مؤتمرين تحت ضغط الدول المنتجة للنفط.

طوال تلك الفترة، استمر ارتفاع درجة حرارة الكوكب نتيجة لازدياد انبعاثات الكربون الناتج عن الوقود الأحفوري حيث بدأت بالفعل بعض نقاط التحول الحرجة على مستوى الكوكب تتجاوز حدود اللاعودة. 

في 28 و29 أبريل/نيسان 2026، قادت كولومبيا الجهود الرامية الى تصحيح إخفاقات مؤتمرات الأطراف (COP) عبر استضافة أول مؤتمر من نوعه متعدد الأطراف في سانتا مارتا والذي ركز بشكل أساسي على دفع العالم نحو التخلص التدريجي من الوقود الاحفوري. في ديسمبر/كانون الأول 2024، دعت منظمة "التقدمية العالمية" دول الجنوب العالمي لإنشاء منتديات بديلة لمؤتمر الأطراف بهدف دفع عجلة الدبلوماسية المناخية. استجاب مؤتمر سانتا مارتا، بقيادة كولومبيا وهولندا، لتلك الدعوة من خلال جمع أكثر من خمسين دولة ملتزمة بتنفيذ حلول جماعية تحقق التخلي عن الوقود الأحفوري بطريقة عادلة بدلا من الاستسلام لعرقلة العمل المناخي والتي باتت متجذرة بنيويًا داخل مؤتمرات الأطراف (COP).

في وقت تواجه فيه الدبلوماسية الدولية المتعلقة بالمناخ، التعددية، والسلام العالمي هجمات غير مسبوقة من الولايات المتحدة، أكبر مصدر تراكمي لانبعاثات الكربون في العالم والمسؤول عن التغيير المناخي، يفتح مؤتمر سانتا مارتا مسارًا لتنسيق جهود الدول والمنظمات باتجاه مكافحة تغيير المناخ. وقد شاركت 57 دولة، الى جانب المئات من المنظمات القاعدية والعلماء والنشطاء، في مسار تفاوضي استمر أسبوعًا كاملًا لتقديم مسار التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.

يشكل مؤتمر سانتا مارتا بداية حراك متعدد الأطراف مما يبعث على الامل، الا ان هنالك إشارات لأن الحكومة الهولندية قد كبحت الطابع الراديكالي لشريكتها وذلك وفقا لعدة مصادر. حيث بدأ بإسقاط مفهوم "العدالة" من عنوان المؤتمر، وحتى التراجع عن البنود الطموحة على اجندة العمل مثل  ISDS (تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول), تشكل تلك إشارات ذات دلالات.

هيمن أكاديميون من بلدان الشمال العالمي على المسار الأكاديمي الذي سبق المؤتمر، وكذلك الأمر على اللجنة العلمية التي أُعلن عنها ضمن نتائج المؤتمر. ومن المقرر أن تتولى ثلاث منظمات تتمركز في دول الشمال قيادة مسارات العمل الثلاثة الجارية والمعنية بالركائز الثلاثة لمؤتمر سانتا مارتا: معهد الموارد العالمية (WRI) ومقره أمريكا، المعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD) والموجود في كندا، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومقرها فرنسا. عملية الاختيار هذه لم تتسم بالشفافية وتعود الأسباب الى موارد التمويل اللازم لتشغيل مسارات العمل وعلى ما يبدو فان التعيين تم على المستوى الوزاري نظرا لما تتمتع به هذه المؤسسات من علاقات مع أصحاب القرار.

ترجمة الأقوال الى أفعال في مجال الدبلوماسية المناخية

في الوقت الذي تراجعت فيه سمعة مؤتمر الأطراف (COP) الى مستويات متدنية، يقدم مؤتمر سانتا مارتا نموذجا بديلا لوضع الدبلوماسية المناخية في حيز الفعل. فمنذ يناير/كانون الثاني 2023، اوقفت كولومبيا ابرام أي عقود جديدة للتنقيب عن الوقود الأحفوري. مما يشكل تناقضا صارخا مع الدول المستضيفة لمؤتمرات الأطراف الأخيرة مثل دولة الامارات المتحدة وأذربيجان، حيث تم تصوير الرئيس التنفيذي لمؤتمر الأطراف التاسع والعشرين (COP 29) وهو يروج سرًا لصفقات الوقود الاحفوري خلال المفاوضات التي كانت جارية وقتئذ لمؤتمر الأطراف. بالمقابل وبحسب تقارير وزارة الطاقة الكولومبية ارتفعت حصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مزيج الطاقة في كولومبيا من اثنين بالمئة في عام 2022 الى 17 بالمئة في أبريل/نيسان 2026، تحت قيادة الرئيس غوستاف بيدرو.

في إطار المؤتمر، قدمت كولومبيا طواعية خارطة طريقها الوطنية لعام 2050 بشأن الانتقال العادل بعيداً عن الوقود الأحفوري، في حين لم تقدمها بعد الدولة المضيفة الأخرى، هولندا.

في السنوات الأخيرة، فاق عدد أعضاء جماعات الضغط (اللوبيات) العاملة في قطاع الوقود الأحفوري الذين حضروا مؤتمرات الأطراف (COP) أعداد وفود الدول الكبرى، كما تم تقليص مساحات المعارضة داخل وخارج منتديات مؤتمر الأطراف. في المقابل، ضمّ مؤتمر "سانتا مارتا" ست مجموعات أو فئات من المجتمع المدني في عملية صنع القرار: المتحدرون من أصل أفريقي، والمزارعون وصيادو الأسماك، والمنظمات غير الحكومية والشبكات العالمية، والحركات الاجتماعية، والنساء والفئات الجندرية المتنوعة، والشباب.

وقالت وزيرة البيئة والتنمية المستدامة الكولومبية، إيرين فيليز توريس، في المؤتمر الصحفي الافتتاحي: "نحننرىأنفسنامكملاًلعمليةالأممالمتحدة،متحررينمنضغوطجماعاتالضغطالتابعةلصناعةالنفط،بحيثنضمنعدمتأثيرهاعلىهذهالأجندات*.* نعتبرهذهاللحظةالمناسبةلوضعجميعأوراقناعلىالطاولة*".* وقالت الناشطة المناخية الكولومبية يوفليس ناتاليا موراليس بلانكو، الفائزة بجائزة غولدمان لعام 2026 (وهي جائزة نوبل خضراء سنوية تُمنح للناشطين البيئيين على مستوى القاعدة الشعبية) وزعيمة تحالف كولومبيا الخالية من التكسير الهيدروليكي: "سنكوننحنالجيلالذيسيتمكن،بطريقةأوبأخرى،منالتحررمنالاعتمادعلىالوقودالأحفوري*"*

النتائج المرجوة من مؤتمر سانتا مارتا

على عكس التوقعات، فإن النتيجة المرجوة من مؤتمر سانتا مارتا ليست معاهدة فورية وملزمة قانوناً للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. بل إن مهمته الأولى هي إعادة تأطير دبلوماسية المناخ العالمية من جدل حول ما إذا كان يجب التخلص من الوقود الأحفوري، إلى حوار حاسم، وممول، وقائم على الإنصاف في كيفية تحقيق ذلك.

وكانت النتيجة المحددة الأكثر طموحًا التي تم الدفع بها في 'سانتا مارتا' هي الاعتراف الرسمي بضرورة التفاوض على معاهدة لوقف انتشار الوقود الأحفوري. قد يشمل ذلك دعم الجهود الدبلوماسية مثل معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري، التي تحظى بالفعل بدعم 18 دولة و200 مدينة. تتوافق المطالب الثلاثة لمبادرة معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري مع الركائز الثلاث لمخرجات مؤتمر سانتا مارتا: آلية لتسوية الديون وصندوق تمويل عالمي لانتقال عادل لتحرير دول الجنوب العالمي من فخ الديون والوقود الأحفوري؛ ووقف منسق لمشاريع الوقود الأحفوري الجديدة والإعانات المرتبطة بها بقيادة الدول الغنية؛ وإدارة دور الوقود الأحفوري في تمويل النزاعات العالمية من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة اللامركزية.

ظهرت مسألة تذليل بعض العوائق الهيكلية أمام إبرام معاهدة للوقود الأحفوري بشكل بارز في المناقشات التي دارت في عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت الجزء الوزاري من المؤتمر. كان أول هذه العوائق هو آلية تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول (ISDS) - وهي الآلية القانونية غير الشفافة التي تتيح لشركات الوقود الأحفوري مقاضاة الحكومات في محاكم دولية مغلقة عندما تؤثر سياسات المناخ على أرباحها. وفقا  لمركز القانون البيئي الدولي (CIEL)، حصدت شركات الوقود الأحفوري ما لا يقل عن 100 مليار دولار أمريكي عبر هذه الآليات، حيث بلغ متوسط التعويضات في قضايا الوقود الأحفوري 600 مليون دولار. ويخضع أكثر من 10,000 من أصول الوقود الأحفوري في جميع أنحاء العالم لحماية آلية تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول (ISDS). في حين تقرن كولومبيا القول بالعمل في هذا الصدد أيضاً.

في أعقاب رسالة وجهها أكثر من 220 خبيراً اقتصادياً -بمن فيهم ستيغليتز وبيكيتـي وها-جون تشانغ- إلى بترو في مارس 2026 لحثه على تشكيل تحالف للخروج من نظام (ISDS)، أعلن الرئيس الكولومبي عن انسحاب بلاده التام من نظام تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول.

يعد مؤتمر سانتا مارتا المرة الأولى التي يضع فيها اجتماع دولي كبير بشأن المناخ تحدي آلية تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول - (ISDS) على جدول أعماله. وقد اقترح هارج نارولا، المحامي المتخصص في قانون المناخ والتقاضي وممثل جزر سليمان في مؤتمر سانتا مارتا، طريقة للمضي قدماً بشأن هذه الآلية قائلاً: "يمكنللانسحاباتالأحاديةالجانبمنآليةتسويةالمنازعاتبينالمستثمرينوالدولأنتكون (ISDS) غيرفعالةبلوتستدعيطعوناقانونية. تكمنإحدىسبلالخروجمنهذهالآليةفيتكتلمجموعةمنالدوللتتفقعلىعدمسريانأحكامتسويةالمنازعاتفيمابينهابعدالآن*."*

العائق الثاني هو المقاومة لإلغاء دعم الوقود الأحفوري. فعلى الرغم من الالتزامات المناخية، تواصل الحكومات في جميع أنحاء العالم ضخ الأموال العامة في الصناعة ذاتها التي تقود أزمة المناخ. ضغطت منظمات المجتمع المدني في سانتا مارتا من أجل وضع أطر ملزمة لإلغاء هذه الإعانات في جميع القطاعات وإعادة توجيه تلك الأموال نحو مصادر الطاقة المتجددة، وبرامج التحول العادل، وتخفيف عبء الديون، لضمان أن تبدأ الأموال التي تُبقي الأزمة قائمة في تمويل الحل بدلاً من ذلك.

العائق الثالث هو التمويل العام غير العادل الذي يتسم بأسعار فائدة مرتفعة للجنوب العالمي، والديون المستحقة على دول الجنوب لدى مؤسسات التمويل متعددة الأطراف. تحدث جوالا رامباران، كبير مستشاري تمويل المناخ في مبادرة معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري والمحافظ السابق للبنك المركزي في ترينيداد وتوباغو، مع منظمة "التقدمية العالمية" مشيرًا: "إن الكثير من التمويل المتعلق بالمناخ اليوم يعيد نصب فخاخ الديون ذاتها التي يزعم أنه يحلها. يُطلب من دول الجنوب العالمي أن تحقق هذا التحول من خلال قروض باهظة وأدوات وهياكل تمويلية معقدة، غالباً ما تكرس تبعيتها بدلاً من توسيع حيّزها السياساتي. من غير الممكن بناء انتقال عادل على تمويل غير عادل. يجب على المؤسسات المالية متعددة الأطراف التحول بشكل حاسم نحو إعطاء المنح، والموارد الميسرة، وتخفيف الديون، والأدوات التي من شأنها تخفيض تكلفة رأس المال من أجل الطاقة النظيفة، والمرونة، والتنوع الاقتصادي. وفي ذات الوقت، يتعين على دول الجنوب العالمي تعزيز قنوات تمويل بديلة تقودها دول الجنوب — بما في ذلك إنشاء مؤسسات جديدة مثل آلية تسوية الديون التابعة لمبادرة معاهدة الحد من انتشار الوقود الأحفوري — قادرة على دعم مسارات للانتقال قائمة على العدالة والمساواة والسيادة والعدالة التنموية."  كما تحدثت ماريانا باولي، مسؤولة السياسات والدعم في منظمة أوكسفام الدولية، مع منظمة "التقدمية العالمية"، وأشارت إلى أنه على دول الجنوب العالمي أن تتحد والضغط لإدراج الديون المناخية تحت مظلة "اتفاقية الأمم المتحدة للديون". من شأن هذه الخطوة أن تساعد في تعزيز إجراءات إعادة هيكلة الديون من خلال أغلبية بسيطة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدلاً من خضوعها لسيطرة المؤسسات المالية متعددة الأطراف التي تخدم مصالح مساهميها الرئيسيين، وهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا واليابان.

بدلاً من تقديم تمويل مناخي لتحقيق انتقال عادل، تقوم المؤسسات متعددة الأطراف التي يقودها الشمال بإيقاع دول الجنوب العالمي في فخ ديون الوقود الأحفوري طويل الأجل." سبق وتناولت منظمة "التقدمية العالمية"  قضية استخدام التمويل العام الأوروبي لجرّ الدول الأفريقية إلى مشروعات وقود أحفوري خاسرة اقتصاديًا، لتلبية احتياجات أوروبا الآنية من الغاز. تحدثت نفيسة شاه، عضوة البرلمان الباكستاني، مع "التقدمية العالمية" خلال مؤتمر سانتا مارتا، وسلطت الضوء على دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في دفع باكستان إلى الوقوع في نفس فخ الديون المرتبطة بالوقود الأحفوري. علينا أن نتعلم تجنب تكرار أخطاء الماضي. ففي أوائل التسعينيات، دفعت سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باكستان إلى خصخصة قطاع الطاقة والابتعاد عن البنية التحتية التي تديرها الدولة. وأدى ذلك إلى ازدهار شركات توليد الطاقة المستقلة، كما تسبب في الاعتماد على الوقود المستورد، ومديونية دائرية طويلة الأجل، وعقود للطاقة عالية التكلفة، بدلاً من القيام باستثمارات حكومية في مجال الطاقة المتجددة."

هذا وقد تم تحديد موعد المؤتمر الثاني في هذه السلسلة، الذي ستستضيفه توفالو – وهي دولة جزرية صغيرة نامية تواجه أزمة المناخ في الخطوط الأمامية، والتي تعتبر التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري مسألة وجودية بالنسبة لها.  تشارك أيرلندا في استضافة المؤتمر الثاني مع توفالو، في إطار استمرار الشراكة بين الجنوب والشمال. وأشارت الدكتورة أميرة سواس، رئيسة قسم السياسات والبحوث في مبادرة معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري، إلى أنه "في حين أن دور دول الشمال العالمي مهم لضمان تدفق التمويل ونقل التكنولوجيا اللازمين لتحقيق تحول عادل على الصعيد العالمي، ينبغي لدول الجنوب العالمي أن تعتبر هذه اللحظة فرصة لتسخير قوتها الجماعية. فلا يمكن للعالم أن يحقق هذا التحول بدونها، فهي تمثل ما يقرب من 90 بالمئة من مجموع سكانه وتمتلك الأراضي والموارد اللازمة لتحقيق ذلك. مع اقتراب موعد مؤتمر توفالو، تتاح لدول الجنوب الفرصة لرسم مسار جديد نحو العدالة المناخية وتحول عادل بتمويل بعيد عن الوقود الأحفوري."

قيادة كولومبيا في مؤتمر سانتا مارتا ومجموعة لاهاي: نمط لتوكيد دور دول الجنوب العالمي

يعزز مؤتمر سانتا مارتا دور كولومبيا الريادي المشهود على الصعيد الدولي تحت قيادة رئيسها اليساري غوستاف بيترو. ويستمد المؤتمر أعماله من مجموعة لاهاي - تحالف دول الجنوب العالمي الذي ترأسه كولومبيا وجنوب إفريقيا بشكل مشترك - بهدف إخضاع إسرائيل للمساءلة القانونية بشأن حرب الإبادة التي تشنها على غزة. يسعى مؤتمر سانتا مارتا، شأنه شأن مجموعة لاهاي، إلى استخدام المؤسسات الدولية ذاتها التي تم استغلالها تاريخياً ضد دول الجنوب العالمي، لمحاسبة المتسببين في التلوث المناخي. في كلتا الحالتين، استغلت كولومبيا الإجراءات والأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية لتعزيز التضامن المتعدد الأطراف وتجاوز التواطؤ والعرقلة من جانب دول الشمال. في يوليو/تموز الماضي، وفي قضية رفعتها فانواتو ودول جزر المحيط الهادئ الأخرى، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا تاريخيا أكدت فيه أن على الدول واجباً ملزماً قانوناً لمنع الأضرار المناخية والتعاون في هذا الصدد. وفي نفس الفترة تقريبًا، عرضت كولومبيا رسميًا استضافة مؤتمر سانتا مارتا. وتحدثت سوزانا محمد، المبعوثة الخاصة لمعاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري ووزيرة البيئة السابقة في كولومبية، مع منظمة "التقدمية العالمية"، مشيرةً إلى أن أوجه التشابه المتعمدة بين هذين التجمعين تشكل تحديًا لتواطؤ "الشمال العالمي" وعرقلة جهوده في سياق الحرب الجارية على إيران والإبادة الجماعية في غزة. 

"هنالك أوجه تشابه متعمدة بين «مجموعة لاهاي» و«مؤتمر سانتا مارتا»، وهي تُظهر الإرادة السياسية ومساراً لدول «الجنوب العالمي» لتجاوز العقبات الهيكلية. إن الموارد التي كان يمكن توجيهها لبناء حلول مناخية، تُستخدم بدلاً من ذلك في تمويل الحروب وحملات الإبادة الجماعية، بينما ينتج المجمع الصناعي العسكري وحده انبعاثات تتجاوز انبعاثات مجموعات كبيرة من الدول."

نشأت فكرة عقد مؤتمر سانتا مارتا في أعقاب مفاوضات الدورة التاسعة والعشرين لمؤتمر الأطراف (COP 29) التي جرت في باكو، أذربيجان، والتي فشلت مرة أخرى في التوصل إلى أي اتفاق بشأن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. لم يتضمن النص النهائي لمؤتمر الأطراف الثلاثين (COP 30) ،في بيليم، حتى ذكراً لكلمات «الوقود الأحفوري» أو الحاجة إلى التخلي عنه، ناهيك عن وضع خارطة طريق لهذا التحول. وفي ظل هذا الفشل، أعلنت حكومتا كولومبيا وهولندا، بدعم من 18 دولة أخرى، عن عزمهما استضافة مؤتمر سانتا مارتا في اليوم الذي سبق مباشرةً اختتام مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP 30).

 صيغ مؤتمر "سانتا مارتا"  استنادًا إلى نجاحات أخرى مثبتة في الدبلوماسية متعددة الأطراف. من بين هذه النجاحات مسار أوتاوا الذي أسفر عن معاهدة حظر الألغام لعام 1997، ومسار أوسلو الذي أدى إلى اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008، وكان أحدثها معاهدة حظر الأسلحة النووية لعام 2017. في كل حالة من هذه الحالات الثلاث، تحدت بضع دول إطارًا راسخًا، وشكلت تحالفًا أوسع نطاقًا للالتفاف حول القوى المعرقلة، وأحدثت تحولًا في القانون الدولي والمعايير الدولية. وبينما قامت كندا والنرويج بقيادة تحركات دبلوماسية أدت إلى إبرام معاهدة حظر الألغام لعام 1997 واتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008 على التوالي، فإن دول الجنوب العالمي، مثل كولومبيا وفانواتو، تحمل اليوم لواء المعركة ضد تغير المناخ.

طرح العدد رقم 108 من دورية The Internationalist  (الدولية)  تشخيصا لمرض أصاب الكفاح العالمي ضد تغير المناخ، وهو سيطرة مصالح شركات الوقود الأحفوري على هيكل مؤتمر الأطراف (COP) وعرقلة دول الشمال العالمي لهذا الكفاح. وقدم العدد علاجاً لهذا المرض يتمثل في تضامن دول الجنوب العالمي، وإنشاء منتديات بديلة، والتنسيق الدولي القائم على أسس قانونية. وتم تنفيذ هذه الوصفة في سانتا مارتا الأسبوع الماضي.

قامت كولومبيا التي يقودها غوستاف بيترو بدور الصيدلي في هذا السياق. فالحكومة نفسها التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وعلقت صادرات الفحم، وشاركت في جمع ثلاثين دولة في بوغوتا لفرض القانون الدولي من خلال «مجموعة لاهاي»، توظف الآن النهج نفسه من أجل المناخ: فهي توقف عقودها الخاصة بالوقود الأحفوري، وتجمع الدول الراغبة في المشاركة، وتتجاوز المعرقلين، وتضع مسألة الوقود الأحفوري في المكان الذي تستحقه: على مسار نحو معاهدة دولية ملزمة قانونًا. وفي ملاحظاته الختامية، شكك بيترو أيضًا في قدرة الرأسمالية على التكيف مع نظام طاقة لا يعتمد على الوقود الأحفوري، وبالتالي تحدى تواطؤها في إدامة نظام مستمر لتدمير الكوكب. وحذر من الحلول الزائفة الناشئة عن” الرأسمالية الخضراء“.

يتزامن كل ذلك قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية الكولومبية المقرر إجراؤها في 31 مايو/أيار. ويتصدر استطلاعات الرأي حالياً السناتور إيفان سيبيدا، المنتمي إلى تحالف «الميثاق التاريخي» الذي ينتمي إليه بيترو، ويخيم على أجواء هذه المدينة الكاريبية تساؤل ما إذا كانت هذه التقاليد الدبلوماسية الراديكالية ستدوم بعد رحيل مؤسسها.

إندرانيل داروادكار هو صحفي مستقل متخصص في قضايا المناخ، يغطي السياسات الدولية المتعلقة بالمناخ وعرقلة الإجراءات المناخية. كما يعمل على تأمين التمويل اللازم للتكيف مع تغير المناخ لصالح دول الجنوب.

Available in
EnglishSpanishPortuguese (Brazil)GermanFrenchItalian (Standard)TurkishArabicBengali
Author
Indraneel Dharwadkar
Translators
Joumana Sida, Nesrine Echroudi and ProZ Pro Bono
Date
11.05.2026
Source
Progressive InternationalOriginal article
علم البيئةEnvironment
Progressive
International
Privacy PolicyManage CookiesContribution SettingsJobs
Site and identity: Common Knowledge & Robbie Blundell