Politics

تسعى الدولة في جنوب أفريقيا إلى تجريم الفقر والتنظيمات الشعبية

تسعى الحكومة الائتلافية الحاكمة في جنوب أفريقيا إلى تمرير قوانين قمعية مناهضة للسيطرة على الأراضي، بهدف تجريم الفقراء وحركاتهم الشعبية.
يحذّر ثابيلو موهابي، الأمين العام لحركة 'أباهلالي بيسمجوندولو' (سكان الأكواخ)، من أن جنوب أفريقيا تواجه تحولاً استبدادياً خطيراً. حيث اقترحت حكومة الوحدة الوطنية (GNU) تعديلات على قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) من شأنها أن تُجرّم تنظيم عمليات السيطرة على الأراضي أو دعمها، حتى لو كانت غير تجارية، مع فرض عقوبات صارمة تشمل السجن ومصادرة الأملاك.

تعاني جنوب أفريقيا من أزمة اجتماعية عميقة. فقد وصلت معدلات البطالة إلى مستويات كارثية، وخاصة بين الشباب حيث تتجاوز 60 بالمائة. وينتشر الجوع على نطاق واسع، إذ تعاني أكثر من ربع الأسر من نقص الغذاء. وفي العام الماضي وحده، مات أكثر من 10 آلاف طفل بسبب الجوع.

وأفرغ الفساد المنظم، المرتبط في كثير من الأحيان بشبكات إجرامية، المؤسسات العامة من مضمونها، إلى جانب عقود من سياسات التقشف. وتنهار بلديات كثيرة اليوم تحت وطأة الديون، وسوء الإدارة، وتدهور البنية التحتية. كما أن معدلات القتل والاغتصاب تعد من بين الأعلى في العالم، ويزداد عدد الأشخاص الذين يضطرون للعيش في الأكواخ كل عام.

وباتت الحياة اليومية غير مستقرة بشكل متزايد لكثير من الناس. وتواجه مجتمعات بأكملها إهمال الدولة وتخليها عنها، في حين تستمر نخبة سياسية واقتصادية صغيرة في جمع الثروات. هذا وقد تم نقض الوعد بأن الديمقراطية ستجلب الكرامة والتحول الاجتماعي الحقيقي، ثم جرى التخلي عنه تماماً الآن.

إن هذه الأزمة لا يمكن أن تستمر اجتماعيّاً أو سياسيّاً، وهناك جهود كبيرة تبذل لحلها عبر الانجراف نحو يمين سياسي خطير.

إذ توجد محاولة ممولة جيداً لبناء مشروع يميني، وفاشي في بعض الأحيان، يقوم على كراهية الأجانب ضد المهاجرين الأفارقة والآسيويين، باستخدام كلمات مثل 'غزو'، و'تلوث'، و'تطهير'، و'إبعاد'. ويُلقى باللوم على المهاجرين في انتشار البطالة، والجريمة، ونقص المساكن، وانهيار الخدمات العامة، في حين يتم تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة.

وتنظم منظمات معادية للأجانب، وعلى رأسها حالياً حركة "مارش آند مارش" (March and March)، أعمال عنف منتظمة في الشوارع، حيث تمنع المهاجرين والأقليات العرقية من دخول المدارس والمستشفيات، وتقوم بترهيبهم وضربهم في الطرقات.

وفي الوقت نفسه، تدفع الدولة بتشريعات تُمكّنها من تجريم الفقراء بشكل عام، والناشطين ومنظمات الفقراء بشكل خاص. وتستهدف التعديلات المقترحة على قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) عمليات السيطرة المنظمة على الأراضي تحديداً؛ وهي المساحات ذاتها التي بنى فيها الفقراء والطبقة العاملة أقوى أشكال التنظيم الذاتي الديمقراطي في جنوب أفريقيا بعد عهد الفصل العنصري "الأبارتهايد" (Apartheid).

وقد صدر قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) في عام 1998 كجزء من الانتقال الديمقراطي بعيداً عن الفصل العنصري. وحل هذا القانون محل "قانون منع التجمعات العشوائية غير المشروعة" لعام 1951 الصادر في عهد الفصل العنصري، والذي كان أحد الأدوات القانونية الرئيسية المستخدمة لتجريم تمدد السكان السود وتنفيذ عمليات التهجير القسري.

في ظل نظام الفصل العنصري، كان يُسمح للسود فقط بدخول المدن كأيدي عاملة يتم استغلالها لخدمة هيمنة البيض. وتأسست الحياة الحضرية حول التحكم العرقي والإقصاء، بدعم من عمليات الطرد القسري العنيفة.

وسعى دستور ما بعد الفصل العنصري إلى إنهاء هذا التاريخ. حيث ألزم قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) المحاكم بمراجعة جميع الظروف المحيطة قبل إصدار أوامر الإخلاء، ووضع قاعدة بأن تكون عمليات الإخلاء "عادلة ومنصفة". كما طُلب من المحاكم النظر في توفر سكن بديل قبل إخراج الناس من الأرض أو المنزل.

وكان المبدأ الذي يستند إليه قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) واضحاً: في مجتمع يعاني من الحرمان الجماعي وعدم المساواة الشديدة، لا يمكن معاملة الفقراء ببساطة كمتسللين يجب طردهم لحماية حقوق الملكية.

وتأتي التعديلات المقترحة لتقطع مع هذا المنطق الدستوري والديمقراطي. إذ سيتيح مشروع القانون الجديد للمحاكم الموافقة على عمليات الإخلاء، حتى لو أدى ذلك إلى تشريد الناس، وذلك إذا ادعت الدولة بأنها تفتقر إلى الموارد وقبلت المحكمة هذه الحجة. وهذا يضعف بشكل أساسي واحدة من أهم الضمانات التي وُضعت في القانون الدستوري بعد عهد الفصل العنصري.

كما توسع التعديلات النطاق الجنائي حول السيطرة على الأراضي بشكل كبير. يجرم القانون الحالي - وبشكل صحيح - تحقيق الأرباح من هذه العمليات عبر تأجير الأكواخ والأراضي أو بيعها. وهذه مشكلة حقيقية، حيث تقع هذه الأراضي بشكل متزايد تحت سيطرة عصابات عنيفة بمختلف أنواعها، ويرتبط معظمها بسياسيين محليين. وتستعد هذه العصابات للقتل عندما يناضل الناس لإخراج الأرض من السوق التجاري ومنع تسليعها. وقد تعرضت حركتنا، "أباهلالي بيسمجوندولو"، لعمليات اغتيالات متكررة.

ومع ذلك، فإن مشروع القانون الجديد يجرم "التحريض" أو تنظيم أو دعم السيطرة على الأراضي حتى لو لم يتم تداول أي أموال. وتشمل العقوبات غرامات تصل إلى 2 مليون راند (أكثر من 100 ألف دولار أمريكي)، والسجن، ومصادرة الممتلكات إجبارياً. إنها محاولة صريحة لتجريم نضال الناس لإتاحة الأرض للجميع ومنع تحويلها إلى سلعة تجارية من القاعدة الشعبية.

ويمكن استخدام هذا النص في القانون ضد الناشطين، والمنظمين، والمحامين، والعاملين في المنظمات غير الحكومية، وقادة المجتمع المشاركين في تنظيم أو دعم السيطرة على الأراضي. كما يجرم مشروع القانون أشكال البقاء الجماعي والتنظيم الذاتي التي تعد أساسية للحياة في المجتمعات الفقيرة. فستصبح رسوم العضوية، والمساهمات لتوصيل الكهرباء، والبنية التحتية، والخدمات، والدفاع القانوني، جرائم جنائية محتملة. وإذا تحول مشروع القانون هذا إلى قانون نافذ، فسيتم تجريم حركة "أباهلالي بيسمجوندولو" - الحركة التي أنتمي إليها - على الفور، وكذلك المنظمات الأخرى التي تناضل من أجل الأرض.

إن أحد أسباب استمرار عمليات السيطرة على الأراضي، رغماً عن القمع، هو أنها غالباً ما تكون الطريق الوحيد المتاح أمام الفقراء لتأمين مكان للعيش قريباً من العمل، والمدارس، ووسائل النقل، والحياة الحضرية. لقد فشل السوق التجاري، وفشلت الدولة إلى حد كبير. بالنسبة لملايين البشر، يعد وضع اليد والسيطرة على الأرض استجابة عملية للإقصاء.

لكن هذه العمليات لا تتعلق بالأرض وحدها. فعندما تنظم بشكل ديمقراطي، يمكن أن تتحول إلى مساحات مهمة للحياة الجماعية والسلطة الشعبية. وفي هذه المساحات المنظمة والديمقراطية - والتي تحول بعضها إلى "كوميونات" (مجتمعات تعاونية) - يعقد السكان اجتماعات عامة، وينتخبون مجالس، ويضعون أنظمة لحل النزاعات دون عنف. ويعمل الناس معاً لإنتاج الغذاء، وتأمين المياه، وتنظيم توصيل الكهرباء، وبناء الطرق وممرات الصرف الصحي، وإنشاء دور الحضانة والمطابخ الجماعية، وبناء قاعات مجتمعية، وتأسيس أنظمة مساعدة متبادلة لمن يواجهون الجوع أو المرض أو البطالة. وفي هذه الكوميونات، تُبنى مدارس سياسية، وتتحول المساحات إلى نقاط ربط في شبكات تقدمية أوسع.

هذه الأشكال من التنظيم تكون هشّة في الغالب، وتتشكل دائماً تحت ضغوط الفقر، وقمع الدولة، والعنف القادم من العصابات السياسية وغيرها.

وتقوم الوحدات البلدية المناهضة لغزو الأراضي بانتظام بعمليات إخلاء وهدم عنيفة، غالباً في انتهاك للقوانين الحالية. وخلال عمليات الإخلاء، يتعرض السكان للهجوم بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع. وتُهدم المنازل دون أوامر قضائية، وتُصادر مواد البناء أو تُدمر. وكثيراً ما تضيع الأدوية، والكتب المدرسية، ووثائق الهوية، والمتعلقات الشخصية أثناء الهدم. ويتم اعتقال الناشطين بانتظام بتهم مشكوك فيها ومحاصرتهم في إجراءات قانونية طويلة.

وفي الوقت نفسه، تستمر هذه العمليات لأنها غالباً الطريق الوحيد المتاح لدخول الحياة الحضرية للأشخاص المستبعدين من سوق العقارات الرسمي. فلا يستطيع ملايين المواطنين في جنوب أفريقيا تحمل تكاليف السكن الخاص، وليس لديهم أي أفق واقعي للحصول على سكن من الدولة. وتصبح السيطرة على الأراضي القريبة من المدن وسيلة للوصول إلى العمل، والمدارس، والعيادات، ووسائل النقل، والفرص الاقتصادية غير الرسمية.

هذا هو السبب في معاملة عمليات السيطرة المنظمة كتهديد سياسي. فالمسألة لا تقتصر على الأرض، بل تتعلق أيضاً بظهور أشكال من التنظيم الديمقراطي خارج سيطرة النخبة. وفي جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري، ظهرت المحاولات الأكثر استدامة لبناء هياكل ديمقراطية متجذرة في المجتمعات الفقيرة داخل وحول عمليات السيطرة على الأراضي، وهي تتحول الآن إلى قاعدة مهمة لليسار السياسي.

وقد تم إعداد مشروع قانون لتعديل قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) واقتراحه من قبل مجلس الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية (GNU). وحكومة الوحدة الوطنية هي الحكومة الائتلافية التي تشكلت بعد الانتخابات الوطنية لعام 2024، عندما خسر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ نهاية الفصل العنصري. وأدى ذلك إلى دخول حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في حكومة مع عدة أحزاب أخرى، أهمها حزب التحالف الديمقراطي (DA)، وهو حزب من وسط اليمين يسيطر عليه البيض ويدافع بقوة عن حقوق الملكية والسياسات الاقتصادية التي تقودها السوق.

وقد دعا حزب التحالف الديمقراطي (DA) لسنوات إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه السيطرة على الأراضي وعمليات الإخلاء. وفي عام 2022، اقترح مشروع قانون لإجراء تعديلات على قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) تعرض لانتقادات واسعة من قبل ناشطي الإسكان والمنظمات القانونية بسبب إضعافه للحماية الممنوحة للمقيمين الفقراء وتوجيهه للقانون نحو مسار عقابي أشد.

لكن النسخة الحالية التي تتبناها حكومة الوحدة الوطنية (GNU) تذهب إلى أبعد مما اقترحه حزب التحالف الديمقراطي (DA) سابقاً. فهي توسع نطاق التجريم، وتزيد من المسؤولية القانونية للأشخاص المشاركين في تنظيم تلك العمليات، وتُعزز القوى القسرية المتاحة للدولة. إن القانون الذي تم إدخاله في الأصل لوضع حدود دستورية للإخلاء يتم إعادة صياغته الآن ليصبح أداة أكثر عدوانية لقمع السيطرة على الأراضي وأشكال التنظيم الجماعي التي تنشأ بداخلها عادةً.

تواجه جنوب أفريقيا الآن هجوماً مزدوجاً وخطيراً ضد الفقراء. ففي الشوارع، تحشد المنظمات الكارهة للأجانب العنف والترهيب ضد المهاجرين والمجتمعات الضعيفة. وعلى مستوى الدولة، تدفع حكومة الوحدة الوطنية (GNU) بتشريعات تطور التجريم والقمع ضد السيطرة على الأراضي والمنظمات الشعبية القاعية. وتدفع هذه القوى معاً نحو استجابة أكثر استبداداً للأزمة الاجتماعية؛ استجابة تسعى إلى احتواء الفقراء بدلاً من معالجة الظروف التي تنتج الفقر والإقصاء في المقام الأول.

وتعقد حركة "أباهلالي بيسمجوندولو" اجتماعات لمناقشة مشروع تعديل قانون منع الإخلاء غير القانوني والاحتلال غير المشروع للأراضي (PIE) واستراتيجيات معارضته، في مجمعاتها التابعة لها وفي الكوميونات عبر أجزاء البلاد التي تنشط فيها. كما وقفت منظمات تقدمية أخرى بقوة ضد المشروع، مثل الاتحاد الجنوب أفريقي لنقابات العمال (SAFTU)، إلى جانب مثقفين راديكاليين ومحامين وغيرهم. وتعمل كل هذه القوى أيضاً ضد كراهية الأجانب.

إن معركة المستقبل قد بدأت بالفعل.

* ثابيلو موهابي هو الأمين العام لحركة "أباهلالي بيسمجوندولو".

Available in
EnglishSpanishPortuguese (Brazil)GermanFrenchItalian (Standard)ArabicRussian
Author
Thapelo Mohapi
Translators
Lina Najjarin, Yasser Naguib and ProZ Pro Bono
Date
25.05.2026
Progressive
International
Privacy PolicyManage CookiesContribution SettingsJobs
Site and identity: Common Knowledge & Robbie Blundell