في الوقت الذي يروج فيه رئيس الوزراء مارك كارني لخططه لحماية السيادة الاقتصادية لكندا، تجد المعادن الحيوية الكندية طريقها إلى صناعة الأسلحة الأمريكية.
ووفقًا لخبراء قانونيين، تتخذ الولايات المتحدة إجراءات " قد تكون غير مسبوقة " لضمان امتلاك حصص في المناجم الكندية، ما يحول كندا، إلى جانب الأمم الأولى التي تُستخرج المعادن من أراضيها، إلى منطقة تعدين تابعة للولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تساعد الحكومة الكندية في تمويل هذه المشاريع وتسريع الموافقة عليها.
ومن المستوى الإقليمي إلى المستوى الفدرالي، تسرّع كندا عمليات استخراج المعادن الحيوية من أقصى شمال البلاد. وقد جرى تقديم هذه المعادن على أنها ' ضرورية بشكل عاجل' ؛ أولًا لدعم التحول إلى الطاقة النظيفة، ثم لحماية الأمن القومي الكندي في ظل تهديدات الولايات المتحدة بضم كندا.
ولا تُستخدم معادن مثل النيكل والنحاس والغرافيت والكوبالت والتنغستن والكروم والعناصر الأرضية النادرة في صناعة البطاريات وتوربينات الرياح فحسب، بل تدخل أيضًا في تصنيع الطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الرادار والغواصات والمركبات المدرعة والذخائر.
ولطالما كانت كندا موردًا موثوقًا للمواد التي استخدمتها الولايات المتحدة في حروبها. فقد زودت كندا الولايات المتحدة باليورانيوم المستخدم في قنابلها النووية، والنيكل المستخدم في تدريع سفنها الحربية، والألمنيوم المستخدم في طائراتها العسكرية.
لكن إذا كانت المعادن الكندية تُخصص للتصنيع العسكري في دول أخرى، فهل يخدم ذلك فعلًا المصلحة الوطنية لكندا؟
لضمان الوصول إلى هذه المعادن، دأبت الولايات المتحدة على تقديم منح وإعانات حكومية لشركات التعدين الكندية. لكن مع تصاعد الحرب الباردة الأمريكية مع الصين، كثّف البنتاغون استثماراته في هذا القطاع. وابتداءً من عام 2022، بدأت وزارة الحرب الأمريكية بضخ ملايين الدولارات في شركات كندية تعمل على استخراج المعادن الحيوية.
في ذلك الوقت، لم يحظَ هذا التطور باهتمام يُذكر في كندا. وبدلًا من ذلك، ركزت الصحف على الوعود الفدرالية والإقليمية بأن هذه المعادن نفسها ستقود ثورة في التكنولوجيا النظيفة تقوم على المركبات الكهربائية ومصانع البطاريات.
وفي إطار مبادرة 8 فير رايزينغ البحثية ، بحثنا في سلاسل التوريد الجديدة المرتبطة بقطاع المعادن الحيوية. وتوصلنا إلى أن أحدث مصادر التمويل وراء الاندفاع نحو المعادن الحيوية في كندا تأتي في الواقع من البنتاغون، الذي يشرف على أكبر جهة مطلقة للغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم: الجيش الأمريكي.
وخلال عامي 2024 و2025 فقط، استثمر البنتاغون أكثر من 78 مليون دولار أمريكي في شركات تدير مشاريع استخراج المعادن في كندا، وهي: فورتشن مينيرالز و لوميكو ميتالز و فايرويد ميتالز و نورث كليف ريسورسز و نانو وان ماتيريالز وإليكترا باتري ماتيريالز.
ورغم تقديم هذا الترتيب على أنه شكل من أشكال التعاون، فقد أدى إلى توجيه أولويات التعدين في كندا بما يتناسب مع الاحتياجات العسكرية الأمريكية، حتى في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترات.
وفي عام 2025، أنفقت وزارة الحرب الأمريكية 35.6 مليون دولار أمريكي لشراء حصة ملكية بنسبة 10 بالمائة في شركة تريلوجي ميتالز، التي يقع مقرها في فانكوفر وتخطط لاستخراج النحاس والكوبالت والذهب والفضة في ألاسكا. كما حصلت الوزارة على خيارات تتيح لها زيادة حصتها في المستقبل، إلى جانب حق تعيين عضو في مجلس الإدارة. كذلك اشترت وزارة الطاقة الأمريكية حصة بنسبة 5 بالمائة في شركة ليثيوم أميركاس، ومقرها أيضًا فانكوفر، والتي تعمل على تطوير أحد أكبر مناجم الليثيوم في العالم.
ويرى المحامي الدولي لورانس هيرمان أن امتلاك الحكومة الفدرالية الأمريكية حصصًا في شركات تعدين كندية يمثل ترتيبًا ' قد يكون غير مسبوق' .
ورغم أن هذه الحصص لا تمنح الولايات المتحدة السيطرة على تلك الشركات، فقد حذر محامي مكافحة الاحتكار ساندي ووكر من أن الحكومة الأمريكية قد تطالب، بمجرد بدء تشغيل هذه المناجم، بتوجيه المعادن إلى الولايات المتحدة فقط.
وتتيح السياسات الكندية فرض قيود على الاستثمارات المحلية التي تقوم بها الحكومات الأجنبية، لا سيما إذا كانت هذه الاستثمارات قد تلحق ضررًا بالأمن القومي الكندي. وفي عام 2022، أمرت الحكومة الكندية ثلاث شركات صينية بالتخلي عن استثماراتها في شركات كندية تعمل في قطاع المعادن الحيوية. لكن لم يُتخذ أي إجراء مماثل ضد الاستثمارات الحكومية الأمريكية في شركتي تريلوجي ميتالز وليثيوم أميركاس.
يُقدَّم تقريبًا كل مشروع من مشاريع استخراج المعادن التي استثمر فيها البنتاغون على أنه حل للأزمة المناخية. ففي مقاطعة كيبيك، تروّج شركة لوميكوميتالز لمشروع منجم الغرافيت لا لوتر باعتباره جزءًا من ' منظومة محلية للطاقة المتجددة' . وقد حصل المشروع على منحة بقيمة 8.4 مليون دولار أمريكي من البنتاغون، إضافة إلى منحة أخرى بقيمة 4.9 مليون دولار كندي من وزارة الموارد الطبيعية الكندية.
لكن هذا المشروع، الذي يعتمد على التعدين في منجم مفتوح، ينتج الغرافيت، وهو المادة الأكثر استخدامًا في الصناعات العسكرية. ونظرًا إلى أن الولايات المتحدة لم تنتج الغرافيت محليًا منذ خمسينيات القرن الماضي، وما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الصينية، فإن استثمار وزارة الحرب الأمريكية في هذا المجال يحمل أهمية استراتيجية كبيرة.
ويُصنَّف العديد من المعادن المستهدفة في هذه المشاريع، ومنها الغرافيت، على أنها معادن ' ذات استخدام مزدوج' ، أي يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية على حد سواء. ومع ذلك، لا تتضمن عمليات التقييم البيئي في كندا أسئلة حول الوجهة النهائية لهذه المعادن بعد استخراجها من المناجم، كما أنها لا تبحث فيما إذا كانت هذه المواد ستُستخدم في صناعة البطاريات أم الأسلحة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن سلاسل توريد المعادن الحيوية تفتقر إلى الشفافية بدرجة كبيرة. فالمعادن تُخلط وتُتداول وتُعالج وتُحوَّل عبر عدة مناطق ودول، مما يجعل تتبع استخدامها النهائي أمرًا بالغ الصعوبة.
وتصبح هذه المسألة أكثر إشكالية عندما يُبرَّر استخراج هذه المعادن أساسًا بالقول إن كندا بحاجة إلى تطوير حلول محلية لمواجهة تغير المناخ.
وبموجب هذا الطرح، يُنظر إلى التقييمات البيئية والتشاور مع الشعوب الأصلية على أنها عقبات غير ضرورية أمام التحرك العاجل لمواجهة تغير المناخ. وقد تجسدت وعود مارك كارني الانتخابية بـ"بناء المزيد وبسرعة أكبر" في قوانين إقليمية وفدرالية تهدف إلى تبسيط الإجراءات المتعلقة بالمشاريع التي تُعتبر ذات
ولم تكتفِ أوتاوا بمراقبة تنامي النفوذ الأمريكي على المعادن الحيوية الكندية، بل ساهمت أيضًا في تمويله. وتُظهر أبحاث مشروع 'ترانزيشين سكيوريتي' (أمن الإنتقال) أن جميع الاستثمارات الأخيرة تقريبًا التي قدمتها وزارة الحرب الأمريكية كانت مصحوبة بتمويل من الأموال العامة الكندية. ففي حين خصص البنتاغون أكثر من 78 مليون دولار أمريكي لستة مشاريع كندية لاستخراج المعادن الحيوية، قدمت الحكومة الكندية ما يقارب 69 مليون دولار كندي لمواكبة هذه الاستثمارات، ما يعني عمليًا دعم النفوذ الحكومي الأمريكي في قطاع الموارد الطبيعية الكندي.
ولا يشكل هذا التطور تهديدًا لاستقلال كندا ومناخها وبيئتها فحسب، بل يهدد أيضًا سيادة الشعوب الأصلية. فإذا كانت المعادن المستخرجة من أراضي الشعوب الأصلية تُستخدم في تصنيع الأسلحة، فهل يتم إبلاغ مجتمعات الأمم الأولى المحلية بذلك؟ وهل يحق لها رفضه؟ إذ يُطلب من مجتمعات الأمم الأولى المتأثرة قبول الأضرار التي تلحق بأراضيها باسم العمل المناخي، في حين قد يكون الهدف الفعلي هو توسيع القدرات العسكرية الأمريكية.
وقد برزت مقاومة الشعوب الأصلية لهذه المشاريع في أنحاء مختلفة من كندا. فقد واجه مشروع منجم الغرافيت لا لوتر معارضة قوية من أمة 'كيتيجان زيبي أنيشينابيغ ' الأولى، وهو ما دفع حكومة كيبيك إلى رفض تمويل المشروع بسبب افتقاره إلى ' القبول الاجتماعي' . كما واجهت الطرق المقترحة من شركة تريلوجي ميتالز في ألاسكا، والتي تهدف إلى تسهيل الوصول إلى رواسب النحاس والكوبالت، معارضة شديدة من 40 قبيلة من السكان الأصليين في ألاسكا.
وفي مقاطعة نيو برونزويك، حصل مشروع سيسيون المقترح لاستخراج التنغستن، والمملوك لشركة نورث كليف ريسورسز، على تمويل بقيمة 15 مليون دولار أمريكي من البنتاغون. ويُستخدم كربيد التنغستن، وهو معدن شديد الصلابة، في صناعة الذخائر الخارقة للدروع. وقد عارض قادة شعب ' ولاستوكوي ' هذا المشروع لسنوات. وقالت الحكيمة أ. ألما بروكس إنها "تعارض بشكل كامل أي شيء من شأنه دعم الجيش الأمريكي أو الكندي في جهودهما الحربية".
وينبغي أن تدفع استراتيجية البنتاغون الاستثمارية الجديدة إلى نقاش عام أوسع. فكندا لا تبني اقتصاد أخضر، بل تزداد اندماجًا في صناعة الحرب الأمريكية.
شيري باسترناك هي أستاذة مشاركة في علم الجريمة بجامعة تورونتو متروبوليتان. وتشغل حاليًا منصب «الأستاذة الزائرة المتميزة في الدراسات الكندية» باسم لورانس ج. باثي (دفعة 1956) لفصل الربيع 2026 في جامعة برينستون.
نيسي نانكيفيل طالبة دكتوراه في جامعة تورونتو وباحثة في منظمة «البنية التحتية ما وراء الاستخراجية» (Infrastructure Beyond Extractivism)، حيث تبحث في العنف البيئي في قطاع التعدين الكندي. وتجري أبحاثها بالشراكة مع قبيلة نيسكانتاغا الأصلية (Neskantaga First Nation)، حيث تعمل مستشارة لشؤون الأراضي والموارد.
